يسألونك عن الإصلاح الجامعي..!!

إن أي مشروع للإصلاح يبغي أن يوازيه خطاب إصلاحي يجيب عن أسئلة الأزمة في السياسة التعليمية، وعن تحديات التحول وعن البديل الإصلاحي وآليات التنفيذ و عن أدوات العمل والقابلية للتطبيق وعن تأهيل الفضاء وترشيد الموارد وعن التقييم والتقويم والوقوف عند النسبة المرتقبة لنجاح أي تجربة من هنا تأتي مقاربتنا لمنظومة الإصلاح الجامعي.

فالإصلاح من منظور أكاديمي هو بنية متكاملة ومتجانسة تتفاعل وتتحرك بداخلها مجموعة من العناصر والمقومات والأنماط في إطار نسق عام لا يقبل التجزيء والاستعجال أو الاختزال. وكل فعل تأسيسي لهذا الإصلاح ينبغي أن ينطلق من الوعي الشمولي به في أفق الحق التثبيتي له. فالجامعة المغربية من خلال مسارها التاريخي، عرفت جغرافية معقدة ومركبة في معانيها ومفاهيمها ومضامينها ووظائفها، هذه الجغرافية أضحت معها بوصلة الإصلاح غير ثابتة الاتجاه وسريعة التذبذب مما يوحي بوجود فجوة في عملية الهندسة والتخطيط ووجود خلل في عملية التفكير والتقدير لدى المسؤولين عن القطاع.

والمطلوب اليوم هو رفع منسوب الواقعية والجرأة الفكرية والشجاعة الأدبية لوضع حدود لمجموعة من القضايا المغلوطة والمفاهيم الخاطئة، وخلق موجبات جديدة والتفكير في تغيير آليات العمل العاجزة لأننا قد نعيش مرحلة ضياع أخرى و إهدار للطاقات إذا لم نقم باجتراح أدوات للإنقاذ ووسائل لإسقاط المعيقات والحواجز وخلق مقومات التفاعل و تنظيم المجال بشكل عقلاني عبر سياسة الحوار التواصلي و التدبير التشاركي لقضايا الجامعة و تفعيل حقيقي للأجهزة الأكاديمية في ظل دمقرطة حقيقية للمؤسسات واستقلالية تامة في صياغة القرار دون أي ضغط أو إكراه أو إملاء حتى تصبح القرارات ذات صبغة ثقافية منبثقة عن قيادات ونخب فكرية.

إن تجربة منظومة LMD كفيلة بأن تشكل لنا اليوم أداة للقياس من أجل قراءة مغايرة ومقاربة نقدية موضوعية وواقعية لما هو مطروح، نثبت من خلالها أن لدينا عقلا نمارس به الفهم و التفكير وإعادة الصياغة وأن هذا العقل ليس في إجازة ولا يرضى بالمغادرة الطوعية أو القسرية و لا يقبل بما هو جاهز إلا بعد تمحيص أو الاستدلال عليه وهذا يفترض منا وقفة تحليلية للباشلور في أطره الإستراتيجية الثلاثة : الإطار المرجعي، الإطار المنهجي والإطار التطبيقي.

إن نظام الباكالوريوس لا يعني اختزال المنظومة البيداغوجية في تمطيط الوعاء الزمني إلى أربع سنوات أو في العدد المرتفع لوحدات المهارات الناعمة على حساب التخصصات الأساسية في المجالات المعرفية الدقيقة لأننا سنكون بصدد إنتاج وإصدار شواهد جامعية في تخصص الإنفتاح وليس في العلوم الأكاديمية يصعب معها تحقيق المعادلة مع الشواهد الدولية وهذا مأزق إجرائي/قانوني يجسد غياب استراتيجية تحصينية. أضف إلى ذالك أن غالبية الأساتذة ليسوا على دراية عميقة بطبيعة الوحدات الجديدة التي تستوجب الآلاف من المتخصصين في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية. وأمام هذا الوضع الشاذ سنجد أنفسنا داخل الساحة الجامعية في تسابق محموم لكل من فشل في تلقين تخصصه لمزاولة الإنفتاح بعد سنوات طويلة وعريضة من الإنغلاق. وقد يصبح هذا الإنفتاح معيارا وقاعدة أساسية في مسلسل الترقية.

فاليوم نحن أمام شهادات وأجوبة عملية وإفرازات وتداعيات واقعية تتبث بالملموس أن الإصلاح محكوم بسقف تنفيذه وأن هذا الخيار أصبح محدودا أمام غياب الإمكانيات وضعف البنيات التحتية لاستيعاب مضامينه وتحسين وضعية أطره وتغيير أنظمته، وأن الإصلاح بهذا الشكل وهذا المضمون سوف يكلف خسائر اجتماعية وسيفتح حسابا تاريخيا وسيشكل عبئا مهنيا أمام غياب الدقة في التصور والوضوح في منهجية الإعمال، فكيف عسانا أن يكون لمشروع الإصلاح تمثلات في صيغة إصلاحات بنيوية حقيقية ومسطرية هيكلية ووظيفية بعيدا عن ما ألفناه )إشكالية مشروع الرئاسة لتطوير الجامعات والمؤسسات وفضائح الولوج للمناصب والكراسي وصفقات الشراكة العام/خاص……).

اليوم يتضح أن خطاب الإصلاح لم تكن له اعتبارات دلالية ورمزية وبلاغية وقصدية، فأين هي مصداقية عناوين الخطاب الرسمي؟ عنوان إدماج الجامعة في محيطها السوسيو اقتصادي، عنوان التكوين يساوي التشغيل والتكوين مدى الحياة، جودة التكوين، حكامة التدبير، دمقرطة المؤسسات، استقلالية القرار الجامعي والحرية الأكاديمية ….الخ. سيكولوجيا، نحن في حاجة إلى إحداث قطيعة مع الغموض ومع الأساليب التقليدية، وعمليا نحن في حاجة إلى خلق مسلك وازن على مستوى الانفتاح والحوار والتواصل والتدبير بالتشارك لأن مصيبتنا دائما في استعارة واستنساخ النماذج الفاشلة وفي احتضانها و تبنيها والدفاع عنها مع ما يفرزه هذا السلوك من إشكاليات في المرجعية و التمثيلية وفي مسلسل الأجراة والإنجاز وفي طبيعة العقلية السائدة للمسؤولين والتي لا تمتلك الحد الأدنى من تقنيات ومهارات التسيير الإداري للمؤسسات الجامعية حيث تبقى الكلفة الحقيقية لهذا الإصلاح برواده ورؤسائه وعمدائه هو الدمار الفكري وضرب الدماغ لأننا لا نريد الخروج من دائرة التراجع والفشل ونحن أمام تحديات كبرى ورهانات تتمحور حول بناء الإنسان والتأسيس لمجتمع المعرفة وتحقيق التنمية البشرية وهندسة نموذجها وصناعة الشخصية المتوازنة من خلال التأطير والتنظيم والتوجيه، شخصية قادرة على اتخاذ المبادرة وصناعة القرار الصحيح والسليم، شخصية متكاملة ومنسجمة مع ذاتها من خلال تحقيق رغبتها في التحصيل والبحث وزيادة قدراتها على امتلاك المعرفة وتطويرها وتحديثها وإعادة إنتاجها من جديد.

من هنا نتساءل هل لدينا الأداة والعقل والفضاء المنتج للمعرفة؟ وهل هناك تمثلات لهذه المعرفة وآليات لتحريكها وتوظيفها؟ علما أن مصدر المعرفة هو البحث العلمي فبدونه أضحينا مستهلكين للأفكار وللمعارف ولسنا منتجين لها. 

أضف تعليق

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق