يجب على السلطة في المغرب أن تكف عن توجيه تهم الاعتداء الجنسي للمعارضين

بقلم: عفاف برناني – تونس

في 29 يوليوز الماضي اعتقلت السلطات المغربية الصحفي عمر الراضي بعد تحقيق استمر أكثر من شهر في مزاعم تعاونه مع وكالات استخبارات أجنبية. في يوم اعتقاله، أعلنت النيابة العامة أن الصحفي عمر الراضي يواجه أيضًا تهمة الاغتصاب. الراضي واحد من بين العديد من الصحفيين المستقلين الذين وجهت لهم السلطة المغربية تهمة الاعتداء الجنسي.

الصحفي عمر الراضي

قد يكون من المفاجئ أن يُسمع أنني – بصفتي امرأة مغربية عانت من الواقع المؤلم للتحرش الجنسي في المغرب – أشك في هذه الاتهامات. في حين أن الاعتداء الجنسي والاغتصاب كيفما كان نوعه أمر بغيض ويستحق دائمًا تحقيقًا جادًا، إلا أن هناك سببًا وجيهًا للاعتقاد بأن مثل هذه الادعاءات يتم استغلالها لأغراض سياسية. لماذا؟ لأنني عشت هذه التجربة بنفسي.

انقلبت حياتي رأساً على عقب في 24 فبراير 2018، عندما تلقيت مكالمة من الشرطة الوطنية تستدعيني للاستجواب بعد اعتقال الصحفي توفيق بوعشرين، وهو رئيس تحرير الجريدة اليومية المستقلة أخبار اليوم. خلال أكثر من ثماني ساعات، ضغط المحققون علي بقوة لأعترف بأن بوعشرين قد اعتدى علي جنسياً. أقول “أعترف” لأنه، من تلك اللحظة فصاعدًا، كان من الواضح أنني إذا رفضت الامتثال لرواية السلطة بأني “ضحية”، فسوف أواجه مصير “المجرمين”. كان ذلك اليوم بمثابة بداية لسلسلة من الأحداث الصادمة.

الصحفي توفيق بوعشرين

بعد أيام من الاستجواب، لم أكتشف فقط أن الشرطة زورت تصريحاتي، بل رأيت أيضًا أن مقتطفات من شهادتي المزعومة قد تسربت إلى وسائل الإعلام الموالية للسلطة دولة. رداً على هذا التعسف الجسيم من طرف السلطة، تقدمت بشكوى شهادة الزور لدى محكمة النقض في الرباط.

بعد ذلك بقليل، اختطفتني الشرطة – دون إبراز مذكرة – من منزل صديقة كنت أقيم معها، بعد أن طوقت المبنى بعدد من رجال الأمن. أحضرتني الشرطة مباشرة إلى المحكمة، حيث استجوبنـي وكيل الملك لعدة ساعات، وأصر طوال الوقت على أنني من زور الشهادة. في وقت لاحق من ذلك اليوم، عقد وكيل الملك ندوة صحفية حيث عرض فيديو صامت من استجوابي الأول – فيديو لم أكن على علم أنه تم تسجيله ثم تم أيضًا تضمين لقطات شاشةScreenshots لهذا الفيديو في مقالات حول حالتي نشرتها بعض وسائل الإعلام الموالية للسلطة. بعد ذلك مباشرة، أعلن وكيل الملك أنه يتهمني بالتشهير والإدلاء بشهادة زور وفي وقت قياسي، حُكم عليّ بسرعة بالسجن ستة أشهر دون إمكانية الاتصال بمحامي ورغم أنني تقدمت بطلب استئناف أيدت المحكمة الحكم الابتدائي الصادر بحقّي.

خلال هذه العملية برمتها، والتي بلغت ذروتها مع إدانة بوعشرين والحكم عليه بالسجن لمدة 15 عامًا، تحملت أشكالًا متعددة من المضايقات والتعذيب النفسي. بالإضافة إلى ساعات طويلة من الاستجواب، اقتحمت السلطات منزل صديقتي بشكل غير قانوني، وقطعت عنه الماء والكهرباء. لقد تعرضت باستمرار للمضايقات والتشهير من طرف وسائل الإعلام الموالية للسلطة، والتي تحولت في نفس الوقت من التعاطف معي كضحية مزعومة لاعتداء جنسي إلى إهانتي الشخصية بمقالات تشهيرية ووصفني بأنني مجرمة، في أحد المقالات، ذهبوا إلى حد الزعم بأنني أعاني من متلازمة ستوكهولم ، بينما زعم محامو ضحايا بوعشرين المزعومات زوراً أنني شاركت في شريط فيديو إباحي.

لم أشعر في أي وقت خلال هذه المحنة بأن هناك من يساندني. ولم أصدق ولو لحظة واحدة أن السلطة المغربية كانت تتصرف في مصلحتي. على العكس من ذلك بل وجدت نفسي غارقة في مساطر قانونية مزيفة حرمتني من كرامتي وخصوصيتي. في ظل هذه الظروف، انتهى بي المطاف بأن أقرر الفرار من بلدي الأم والبحث عن ملجأ في تونس، بعيدًا عن أسرتي وأحبائي.

بعد أكثر من عامين، لا يزال بوعشرين في السجن بتهمة الاعتداء الجنسي. قبل اعتقال عمر الراضي، اعتقلت السلطات الصحفي سليمان الريسوني بسبب مزاعم الاعتداء الجنسي في مايو 2020.

الصحفي سليمان الريسوني

لم يكن سليمان الريسوني زميلا سابقا لبوعشرين في أخبار اليوم فحسب، بل اعتقلت السلطة أيضًا ابنة أخيه، الصحفية هاجر الريسوني، العام الماضي بسبب مزاعم بقيامها بعملية إجهاض ومارست الجنس خارج نطاق الزواج (كلاهما يعتبر جريمة بموجب القانون المغربي). إن السلطة المغربية التي تزعم أنها تدافع عن ضحايا الاعتداء الجنسي،أخضعت هاجر الريسوني لفحص طبي قسري عنيف لتوجيه تهم الإجهاض إليها.

الصحفية هاجر الريسوني

مثل بوعشرين، استُهدف عمر الراضي من طرف السلطات قبل فترة طويلة من اعتقاله وتـهمة الاغتصاب. في ديسمبر الماضي فقط، تم اعتقال الراضي ووجهت إليه تهمة بناء على تغريدة. قبل اعتقاله الشهر الماضي، كشفت منظمة العفو الدولية أن الراضي كان قد استُهدف أيضًا ببرامج تجسس على الهاتف تم تطويره من طرف شركNSO، والتي لا تملك سوى الحكومات القدرة على شرائها واستعمالها.

إن الاعتداء الجنسي، كما هو الحال في أي مكان آخر في العالم، لا يزال حقيقة مؤسفة في المغرب. ومع ذلك، من خلال استهداف الصحفيين المستقلين بشكل انتقائي، ترسل السلطة رسالة مقلقة إلى الضحايا مفادها أن المزاعم الوحيدة التي ترغب في أخذها على محمل الجد هي-بالصدفة- ضد أشد منتقدي النظام. وهذا لا يخفف من قسوة الاعتداء الجنسي فحسب، بل إنه ينذر بمستقبل مقلق لحرية الصحافة في المغرب.

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق