ولأن الآخرين يمثلون الإنسانية جمعاء.. فأنا لا شيء

الكاتب: ذ. محمد زيان

أصدرت إحدى أهم الهيئات الحقوقية في العالم “هيومن رايتس ووتش” والتي يمكن ترجمتها بـ” عيوننا على حقوق الإنسان”، عن فرعها المتخصص في دول العالم الثالث تقريرا حول أدوات قمع المعارضة في المغرب.

قبل التعمق في النقاش، ينبغي الإشارة بادئا ذي بدء إلى أن منظمة “عيوننا على حقوق الإنسان” تتنافس على الرتبة الأولى عالميا مع منظمة العفو الدولية “أمنستي أنترناسيونال” في تعزيز حقوق الإنسان والنهوض بها في العالم؛ فبينما تنشط الأولى في القارة الأمريكية وفي الشرق الأوسط وبشرق أوروبا، تشتغل الثانية في أوروبا الغربية وآسيا والقارة الإفريقية.

وبما أن المغرب يتواجد في إفريقيا ومعني بمشاكل الشرق الأوسط، فإن المنظمتين معا تهتمان بالوضع الحقوقي في المملكة.

وبحسب ما جاء في التقرير الذي عُيِّنَ منسقا فيه أحد أبرز المناضلين الحقوقيين بالمغرب، فإن الأمر تطلب أبحاثا دامت لأزيد من سنتين والاستناد على مئات المراجع والوثائق التي تؤكد صحة ما جاء به، إذ أصبح من المسلم أنه تقرير موضوعي للوضع الحقوقي في المغرب، خاصة أنه تزامن مع وضعية سياسية وداخلية جد معقدة؛ فالمغرب اليوم يعرف قلقا شعبيا ومخاوف نتيجة الشعور الذي بدأ يدب في النفوس بكون السفينة لا تتوفر على ربان، لا سيما بعد ظهور تطاحن بين جهتين – من المحتمل أن يكون مصطنعا – تبحث كل جهة من خلاله عن إبعاد المسؤولية عنها قدر المستطاع، باتهام الجهة الأخرى بما يجري من خروقات وهدر للحقوق والقوانين.

وبأسلوب أوضح، فالأجهزة الأمنية تحاول إقناع الرأي العام الوطني بأن المسؤول عن الوضعية الكارثية في البلاد هم رجال الأعمال الذين اصطفوا في حزبي الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، وتمكنوا من السيطرة على الحكومة وفرض قرارات مست فئات واسعة من الشعب بما فيها الفئات المتوسطة التي تعاني اليوم من الغلاء وضرب قدرتها الشرائية، في الوقت الذي يعيش أغنياء المملكة غنى فاحشا.

الأجهزة الأمنية حاولت استغلال الحملة الواسعة الرامية إلى تعميم شعار #أخنوش_ارحل، حيث لاحظنا مؤخرا وجوها بوليسية ومواقع أنشأتها الأجهزة تشارك الجماهير في توجيه الغضب الشعبي تجاه أصحاب النفوذ الاقتصادي.

في مواجهة هذه المجموعة القوية ماليا والحاضرة في السلطة الاقتصادية، نجد الحزبان المذكوران يحاولان وبشكل محتشم توجيه أصابع الاتهام للمسؤولين الأمنيين، متهمين إياهم وجزءا من المحيط الملكي بكونهم المسؤولين عن المساس بحقوق المواطنين وبالحريات الأساسية، وبالتالي عن الوضع اللاقانوني الذي يطبع منظومة العدالة والعمل القضائي في أغلب محاكم المملكة.

وفعلا الأغنياء غير مسؤولين عن الاعتقالات وعن عرقلة الأبحاث والتحقيقات المرتبطة بالقضايا الحقوقية، ولا عما يجري من ضغط وتهجمات علنية لطمس كل احتجاج كيفما كان نوعه، فالأمر هنا متروك للأمنيين وفقط.

فمن يريد منع الحق في الاختلاف وطمس الرأي الآخر ليس السلطة الاقتصادية بل السلطة السياسية المهيمن عليها أساسا البوليس السياسي.

في هذا الجو، صدر التقرير المذكور الذي فضح أمام الجميع كون المسؤول عن الوضعية الاجتماعية والحقوقية الهشة في المملكة هو زواج المال بالسلطة وتقسيم الأدوار بينهما.

إن الوضع الحالي هو نتيجة مشتركة بين الجانبين وتتحمل الجهتان معا وِزْرَهُ؛ فبقمع من يفضح الاستغلال الفاحش للثروة الوطنية وإسكات كل صوت حر، تعبد السلطة السياسية الطريق أمام السلطة المالية والاقتصادية للاستمرار في الاغتناء بكل أريحية.

إن ذكاء هذا التقرير يتبلور في قدرته على تبيان الوصفة الرسمية المستعملة لحصول النتيجة التي هي مساعدة الأغنياء في الاستمرار باستغلال الثروات بكل اطمئنان، وتحصينهم من كل اضطراب بوسائل إدارية وقضائية تشرف عليها الأجهزة الأمنية؛ إذ لا أحد أصبح يزعج الغني في تنمية ثروته الخاصة شريطة وضع رهن إشارة الأمني كل ما يحتاجه من مال لتيسير مهامه في إقبار الأصوات المزعجة.

وبالنسبة للطرق المستعملة فهي تبدأ بالتهديد، ثم تهييء المسرح للكومبارس من المسؤولين لأداء أدوارهم ببراعة حتى يفهم الصوت المزعج بأنه في خطر وإِلَمْ يفهم فستطبق عليه مقتضيات القانون الجنائي، مع ضمان عدم التردد في قمعه ومنعه من حقوقه وإجهاض جميع المساطر القانونية التي ستمكنه من الدفاع عن نفسه، ثم إذا لم ينْصَعْ فسيتوجهون لعائلته ومصالحه.. وهلم جرا.

الإشكالية وجدت عندما تبين أن الأمر ليس من السهل بما كان، ذلك أن مؤامرة تحقيق الصمت الجماعي خطط لها من منطلق المفاهيم الأخلاقية الإسلامية التي لا تقبل التعامل مع الفحشاء والمنكر، في نسيان تام بأن الإسلام لا يقبل كذلك الظلم والطغيان.

في عهد سابق، كانت الفحشاء مرتبطة بالثراء عن طريق المخدرات والاتجار فيها والاختلاس والارتشاء، بينما أصبحت اليوم مرتبطة بالحياة الخاصة الحميمية للأفراد والخيانة والتعامل مع الخارج.

الوصفة السحرية للنظام فشلت بعدما تطورت العلاقات الشخصية والحميمية بتطور العقليات لدرجة لم تستطع السلطات استيعابها بعد، فالمجتمع المغربي تغير بسرعة تفوق سرعة استيعاب الدولة وتطوير وسائلها.

أما مسألة التعامل مع الخارج في بلد يتوفر أزيد من خمس شعبه على جنسيات أجنبية وفي عصر العولمة، فقد صار أمرا شبيها بالنكتة وضحكا على الذقون، مما يعطي الانطباع بأن المسؤولين عن تسيير الشأن العام دون كفاءة رغم توفرهم على شهادات جامعية تبقى مجرد غطاء تختبئ وراءه الدولة لإقناع نفسها بأنها لا تتعامل مع البلادة.

إن ما يجعل لتقرير “عيوننا على حقوق الإنسان” تأثيرا كبيرا على مكانة المغرب في المنتظم الدولي، سبب بسيط يكمن في كون مسؤولينا قاموا بتصرفات صبيانية حقرت من قيمة الغير، متناسين بأن هذا الغير يمثل الإنسانية جمعاء.

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

x
إغلاق