من الهولوكوست إلى صفقة القرن

بقلم: بوشعيب أمين – إيطاليا 

كانت صدمة المغاربة شديدةُ الوقع، وهم يرون أحمد العبادي، رئيس الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، ضمن الوفد الإسلاميّ “الرفيع” لعلماء العالم الإسلامي، الذي تداعى إلى زيارة ما يُسمّى معسكر الإبادة الجماعية في أوشفيتز ببولندا، وذلك لأداء الصلاة في موقع المحرقة التي قيل قُتل فيها أكثر من مليون يهودي إبان الحرب العالمية الثانية وذلك يوم 23 يناير 2020. لقد كانت صدمةً شديدة نظرا للمكانة الرفيعة التي يحتلها الأستاذ العبادي في قلوب المغاربة. وهي على أية حال، زيارةٌ مرفوضةٌ يتبرّأ منها المغاربة الأحرار، ويدينونها بأشد عبارات الإدانة، لأنها لا تمثلهم.

وحسب الموقع الرسميّ لرابطة العالم الإسلاميّ التي ينتمي إليها أحمد العبادي، فإن تلك الزيارة تأتي ضمن جولة دولية في عدد من المواقع التي تعرضت للظلم والاضطهاد، وذلك لـ”التنديد بكل عملٍ إجراميّ أيّا كان مصدرُه وعلى أيٍّ كان ضررُه وأثرُه، وأن هذه هي قيم الإسلام، وسيُعَبِّر عن ذلك جمعٌ غفيرٌ من القيادات الإسلامية من كبار العلماء الذين سيقومون بتلك الزيارات، والتأكيد كذلك على أن الموقف الإسلاميّ لا يحمل سوى قيمه الرفيعة المجردة، ليُعبّر عن عدالة الإسلام مع الجميع، وأنه دينُ رحمةٍ وإنصافٍ وأنه ضدّ كلّ ممارسات الشرّ، وأن هذا الموقفَ لا يقتصرُ على داخله الإسلاميّ فقطّ، بل يشمل الجميعَ. فعدالة الإسلام ورحمته عامة”

لا أريد الخوضَ في حيثيات الهولوكست هل هي حقيقة، أم أنها لم تحدث بالأسلوب والحجم الذي تمَّ الترويج لهما من قِبَل الصهاينة. فالأكيد أن المؤرخين منخرطون وسينخرطون في مراجعة تاريخية للأحداث الكبرى وغربلتها لإظهار الحقيقة كاملة، لكنني أريد أن أتساءل فقط: هل كان علماؤنا في كامل الوعي عندما أقدموا على هذه الفَعلةِ التي استفزّت مشاعرَ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟

وسواء أكانت الهولوكوست حقيقة أم أكذوبة، فالحقيقة الثابتة هي استغلاها منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، حيث اتّخذت منها الصهيونيةُ حائطَ مبكىً آخرَ، وحوّلتها إلى سلاحٍ أيديولوجيّ لابتزاز الضمير العالميّ وتحقيق المصالح، بل إن الكاتب الإسرائيلي “بواس ايفردن” ذهب أبعدَ من ذلك إذ وصفها بكونها ” عملية تلقين دعائية رسمية تمخّضت عن شعاراتٍ وتصوراتٍ زائفة عن العالم، وليس هدفها الماضي على الإطلاق بل التلاعب بالحاضر” وها هم الصهاينة اليوم يَجنُون ثمارَ استغلالهم لها، إذ تلقَّوْا من الرئيس الأمريكيّ وعدا بتحقيق حلمهم القديم في “دولة قومية للشعب اليهودي” على أرض فلسطين، وعاصمتها مدينة القدس موحدةً تحت السيادةِ الاسرائيليةِ.

لا نختلف في أنّ مساندة المظلومين والمضطهدين واجبةٌ، لكنْ أليس أولى الناس بهذا التعاطف الكبير الذي أبان عنه “علماؤنا الأجلاء”، هم الفلسطينيون الذين تعرضوا ولا يزالون يتعرضون لأبشع المجازر بدءا بمذبحة بلدة الشيخ سنة 1947 ومرورا بمذبحة دير ياسين، وكفر قاسم، وقلقيلية، وخان يونس، والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي، وليس آخرها مذبحة مخيم جنين؟

وماذا عن فلسطينيي غزةَ الذين يعيشون تحت الحصار منذ 2006، في معسكرات اعتقالٍ جماعيٍّ لم يُستثنَ منه لا النساء ولا الأطفال الذين يموتون يوميا بسبب فقدان الدواء وشحّ الغذاء؟ أليست إسرائيل التي تلعب دور الضحية والتي ذهب “علماؤنا الأجلاء” إلى بولندا للصلاة من أجلها هي التي فرضت عليهم هذا الحصار الذي يعدّ جريمة ضد الإنسانية؟ ألا يستحق هؤلاء المحاصرون صلاة أو زيارة من قِبَل علمائنا الأجلاء؟ أم أنهم لا يتوفرون على معايير الظلم والاضطهاد المعتمَدة من قبل رابطتهم؟

لقد أخلف ” علماؤنا الأجلاء” الموعد مع التاريخ، لقد كان الأوْلى بهم أن يسترشدوا بفقه الأولويات، ووضعها في مكانها الصحيح. وإنّ أولَ ما يجب عليهم فعله هو إيقاظ مشاعر وعواطف المسلمين تجاه ما يحدث من انتهاكاتٍ لمقدساتِ الأمة، ومن اعتداءات على أرواح وأعراض أبنائها، وذلك لتحقيق التضامن الإسلاميّ القائم على أساس الحديث النبوي الشريف: “مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمّى”، وإنه لَمِن الذلّ والعار أن ينجح اليهودُ الذين لا يتجاوز عددهم الكلّي ستة عشر مليونا في أن يضغطوا على دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يفشل أكثر من مليار مسلم في حماية إخوانهم الفلسطينيين وفكِّ الحصار عنهم… فلتكنْ صفقةُ القرنِ المشؤومةُ مناسَبةً لتأكيد وحدةِ المسلمين وتضامنِهم ووقوفِهم صفّا مرصوصا ضد المؤامرات الصهيوأمريكية التي لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم بل الأمة الإسلامية بأكملها.

فلاش: لم تكد تمضي سوى أيامٍ معدوداتٍ، على الزيارة النّشاز التي قام بها أحمد العبادي، لمعسكر الإبادةِ الجماعيةِ في أوشفيتز ببولندا، حتى صُدم المغاربةُ مرة أخرى. لكنْ هذه المرة بسبب بلاغ وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، والذي يُقَدر فيه جهود السلام البناءة (أي الجهود في تمرير خطة صفقة القرن) التي تبذُلها إدارةُ الرئيسِ الأمريكيّ دونالد ترامب.

ومما زاد الطينَ بلةً طلبه من المغاربة ألّا يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وهي دعوةً خطيرة من قِبل المسؤول المغربيّ لإسقاط التضامن مع الشعبِ الفلسطينيِّ في محنته. لكن الشعب المغربي الرافض لصفقة القرن، سيخرج بكل فئاته وأطيافه في مسيرة وطنية حاشدة يوم الأحد 9 فبراير، ليؤكد رفضَه القاطعَ لـ”صفقة القرن” وليعبّر في ذات الآن، عن تضامنه المطلق وغير المشروط مع الشعب الفلسطيني، وعن رفضه كذلك لأية محاولات ابتزاز للمغرب بقضية الصحراء المغربية مقابل مواقفه من القضية الفلسطينية. نعم فقضية المغاربة الأولى هي الصحراء، وقضيّة المغاربة الأولى هي فلسطين!

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق