ملف خاشقجي: مزيج من «شرارة البوعزيزي» و«لوكربي» للعلاقات الخارجية للسعودية

في ظرف أيام معدودة تحولت العربية السعودية، من دولة يخطب جزء كبير من المنتظم الدولي ودها وصداقتها إلى دولة مارقة في أعين الرأي العام العالمي والقانون الدولي، وذلك بسبب اغتيالها البشع للصحافي جمال خاشقجي. هذا الحادث يأخذ أبعادا لا أحد كان يتصورها حتى الأمس القريب، مما يجعل ملف خاشقجي نسخة من البوعزيزي مفجر الربيع العربي وقضية لوكربي ولكن في طابع دولي بالنسبة للسعودية.

وهكذا، يوم 2 أكتوبر الجاري يعد من الأيام التي بدأت فيها مشكلة السعودية مع العالم، فقد أقدم مسؤولون أمنيون سعوديون على تنفيذ عملية تغييب بشعة في حق الصحافي جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في اسطنبول، وتفيد الرواية التي أصبحت شبه رسمية في انتظار تأكيدها قتل الصحافي وتقطيع جثته بمنشار في قلب التمثيلية الدبلوماسية بأوامر من ولي العهد محمد بن سلمان.

وساد الاعتقاد في البدء في بقاء هذا الملف محصورا في نزاع ثنائي بين العربية السعودية وتركيا، مع دور ضاغط ومندد للجمعيات الحقوقية الدولية من أجل الوصول إلى الحقيقة، وكان هذا على الأقل اعتقاد القيادة السعودية، لكنه تطور وأخذ بعدا دوليا حقيقيا مع انعكاسات استراتيجية أبرز عناوينها تحول السعودية في أعين العالم إلى دولة مارقة لا تحافظ ولا تحترم الأعراف الدولية. ملف خاشقجي، يحمل تطورات في اتجاهين، الأول داخلي ويتبلور بطريقة صامتة، والثاني، خارجي دولي ويحاصر السعودية بشكل مذهل.

الاتجاه الخارجي

على ضوء الوضع المقلق للعربية السعودية حاليا وما قد يتطور إليه، يمكن اعتبار ملف خاشقجي بمثابة “بوعزيزي” جديد، الذي فجر الربيع العربي ولكن هذه المرة على مستوى العلاقات الخارجية وما ستحمله من انعكاسات خطيرة على الوضع الاعتباري للسعودية في الخريطة الدولية، وهي انعكاسات من الصعب احتواءها في ظرف وجيز باستثناء في حالة حدوث تغيير دال في القيادة السعودية، وهذا يترجم عمليا بإعفاء محمد بن سلمان من ولاية العهد.

لقد اعتقدت السعودية في تمتعها بحصانة خاصة في المنتظم الدولي، ولم تتردد في مهاجمة كل الدول الغربية التي انتقدت تعاطيها مع حقوق الإنسان مثل السويد وألمانيا وأساسا أزمتها الأخيرة مع كندا. واعتقدت في غلبة المصالح بين الدول على حقوق الأشخاص، ولم تدرك أن ملفات شخصية تتحول أحيانا إلى مصدر إضعاف الدول.
لقد فجرت عملية التغييب البشع والوحشي لجمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في اسطنبول غضبا عالميا وأساسا في الغرب ولاسيما الولايات المتحدة، حيث يصاب السعوديون بالذهول من ردة الفعل الأمريكية تجاه ملف يفترض أنه لا يمس مصالحهم (الأمريكيين). ومن الجهات التي أعربت عن قلق كبير ما يصطلح عليه بالدولة العميقة في الولايات المتحدة “إستبلشمنت” التي ترى في مغامرات ولي العهد محمد بن سلمان، مسا بمخططات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبالتالي مسا بالأمن القومي الأمريكي. وكانت النتيجة، وفق مصدر عليم بسياسة واشنطن في الشرق الأوسط في حديث مع “القدس العربي” هي: “محمد بن سلمان أصبح خطرا على مصالح الولايات المتحدة”. وهذا يجر إلى تساؤل مقلق: إذا كان ولي العهد محمد بن سلمان، يقوم بهذه التصرفات وهو ولي العهد فقط، كيف سيكون الوضع إذا تولى العرش؟”.

لقد بدأ مسؤولون في الدولة العميقة في واشنطن يقولون “لا يمكن لدولة ذات اقتصاد محدود لا يتجاوز اقتصاد مدينة واحدة مثل لوس أنجليس وتبادلها التجاري مع الولايات المتحدة لا يرقى إلى دولة متوسطة تبدو وكأنها تتحكم أو تعيق سياسة واشنطن في الشرق الأوسط”.

وفي ظرف أيام معدودة، تناسلت تصريحات المسؤولين الأمريكيين من الرئيس دونالد ترامب إلى وزير الدفاع ماتيس ووزير الخارجية بومبيو ومستشار الأمن القومي بولتون، لكن التصريح الأبرز يبقى للسيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، بقوله “ملف خاشقجي أهم من أرباح شركات الأسلحة”. وهناك توجه لفرض عقوبات أمريكية وغربية على السعودية ومسؤولين فيها من تجميد صفقات الأسلحة إلى عقوبات مالية ضد أمراء تطبيقا لقانون ماجنتسكي الذي يسمح للإدارة الأمريكية فرض عقوبات على أجانب متهمين في جرائم قتل وخرق حقوق الإنسان.

الموقف الأمريكي من ملف خاشقجي، هو موقف مزدوج، فئة تنطلق للدفاع عن حقوق الإنسان وهي موجودة وسط الإدارة الأمريكية ووسائل الإعلام والرأي العام، وفئة أخرى تنتهز الفرصة التاريخية لتأديب السعودية وتحديد مساحة تحركها مستقبلا في القضايا الدولية وترى في الكونغرس أحسن أداة لمواجهة أي تنازل للبيت الأبيض مستقبلا في هذا الملف. وكل المعطيات تشير إلى تصعيد أمريكي ضد العربية السعودية في ملف خاشقجي لسببين وهما:
– انفلات الملف من دائرة السياسة المحصورة في المخابرات والدبلوماسية والبيت الأبيض إلى دائرة الرأي العام الأمريكي والغربي عموما. وتاريخيا، عندما تصبح قضية ما تشغل الرأي العام ينصاع السياسي بحكم توفر الرأي العام على سلطة صناديق الاقتراع خاصة إذا كان الحدث قريبا زمنيا من موعد انتخابي، كما هو الشأن الآن في الولايات المتحدة مع الانتخابات التشريعية الشهر المقبل.
– هشاشة اللوبي الموالي للسعودية في الولايات المتحدة، لقد استثمرت الرياض أموالا باهظة خلال العقود الأخيرة لكسب التعاطف والمدافعين عنها، وها هي اللوبيات تتراجع أمام قوة الرأي العام.

والمثير أنه حتى إسرائيل التي تعهدت بالدفاع عن قضايا السعودية بسبب دعمها لصفقة القرن تتراجع وتتحفظ الآن.

الاتجاه الداخلي

وهناك توجه آخر لملف خاشقجي داخليا ولم يتبلور حتى الآن بالشكل الكافي بسبب تركيز الإعلام على الشق الدولي للقضية. وهكذا، فعلاقة بالداخلي: تواجه السعودية أخطر حادث منذ مقتل الملك فيصل بن عبد العزيز سنة 1975، لكن مع فارق شاسع بين الحالتين. لقد أدى مقتل الملك فيصل إلى تعاطف دولي كبير ولاسيما في العالم الإسلامي الذي كان يرى في الجريمة مؤامرة على مصالح العرب والمسلمين. واكتسبت السعودية احتراما ومكانة أكبر ومنذ ذلك الوقت نافست مصر على زعامة العالم العربي خاصة بعد وفاة جمال عبد الناصر ثم توقيع القاهرة على اتفاقيات السلام مع إسرائيل. والآن يحدث العكس في حالة مقتل خاشقجي، بدأ السعوديون والأمراء يرون في محمد بن سلمان الشخص الذي يتسبب في إذلال العالم للسعودية في المنتظم الدولي بشكل لم يسبق نهائيا حدوثه.

بدأ أمراء كبار وبحذر كبير يطلبون من الملك سلمان تولي الإشراف الشخصي على حل هذه الأزمة رفقة أمراء لهم تجربة مثل تركي الفيصل، مع ضرورة أحداث انفراج وسط العائلة الملكية بإطلاق سراح جميع الأمراء المعتقلين وحرية الحركة للآخرين علاوة على الإفراج عن نشطاء المجتمع المدني. وفي هذا الصدد، يأتي ترؤس الأمير خالد الفيصل، الوفد السعودي لتركيا للتباحث مع مسؤولي أنقرة، وخالد من جيل الأمراء المخضرمين وليس من جيل الأمراء الجدد الذي يعتمد عليهم ولي العهد.

ووفق معلومات لصاحب المقال، بدأ محمد بن سلمان يدق باب الأمراء مثل تركي الفيصل والوليد بن طلال لتوظيف علاقاتهم الخارجية لتخفيف الضغط الخارجي على البلاد. وتبقى الخلاصة التي لدى مجموعة من الأمراء أن “المحافظة على السعودية وتفادي عقوبات يمر بالضرورة عبر التغيير في هرم السلطة، أي ولاية العهد، حيث سترفض الدول الكبرى مستقبلا استقبال ملك يداه ملوثة بالدم”.

في الوقت ذاته، يحمل هذا الملف انعكاسات أخرى ومنها تعزيز المعارضة السعودية في الداخل وفي الغرب التي ستصبح رقما في أي معادلة سياسية في البلاد خاصة إذا أدركت كيف تستغل هذا الملف.

في غضون ذلك، ملف خاشقجي بكل تفاعلاته خاصة الاستراتيجية داخليا وخارجيا هو بالنسبة لحاضر ومستقبل السعودية مزيج من تركيبة بين البوعزيزي مفجر الربيع العربي وبين قضية لوكربي التي حاصرت ليبيا لسنوات طويلة.

القدس العربي

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق