ماذا عن مستقبل حزب العدالة والتنمية؟

الكاتبة: أمينة ماء العينين*

هذا سؤال معقد ويحتاج إلى تفكير عميق واشتغال جماعي ينكب عليه من يمتلكون أدوات التحليل ويحتكمون إلى قدر من الانفتاح والقدرة على الاقتحام الفكري والمنهجي.

طبعا ستكون استخفافا كبيرا بالوضع وتسطيحا مريعا للوعي السياسي كل مسارعة لتقديم قراءات أو أجوبة تنبني على العاطفة أو الانفعالات النفسية أو الدغمائية الحدية والقطعية التي تميز أبناء التنظيمات الإيديولوجية وعلى رأسها الحركات الإسلامية مثلها مثل مثيلاتها اليسارية.

المجلس الوطني للحزب في الأسبوع المقبل عاجز عن إيجاد الأجوبة غير المتوفرة أصلا، كما سيعجز مؤتمر استثنائي قريب عن إبداعها مهما كانت مخرجاته التنظيمية أو الانتخابية إذا لم يسبقها إعداد وتفكير.

يحتاج مناضلو ومناضلات العدالة والتنمية لمساحة من الهدوء وأخذ المسافة من الأحداث لمحاولة الفهم والاستيعاب، وما يؤكد الأمر هو استعمال لغة غريبة في بيان الأمانة العامة الأخير، فإما أن النتائج غير مفهومة وعلينا فهمها بعد تجاوز قصور آليات التحليل والفهم لدى حزب كان إلى وقت قريب يتصدر المشهد الحزبي والانتخابي فانفلتت فجأة من بين يدي قيادته قدرات الفهم والقراءة والاستيعاب، وهو في كل الأحوال تعبير عن أزمة مركبة لعقل حزبي جماعي يبدو أنه يتسم بقدر غير هين من الجمود والركون إلى الوهم، وإما أن الأسباب أو بعضها على الأقل، يظل مفهوما غير أن القيادة الحالية – كعادتها- تفضل لغة التلميح بدل التصريح المباشر وتحمل التبعات السياسية.

لقد ظللنا نهرب من النقاش الحقيقي، بل اخترنا الالتفاف على النقاش بإبداع آليات تنظيمية يسيرها مهندسو التنظيم – وهم على فكرة جزء من الأزمة- بدل قرار الصراحة والوضوح والقدرة على التقاط الإشارات الشعبية قبل الرسمية التي تم اطلاقها منذ مدة، وروجنا لوهم كبير مفاده أن كل شيء بخير وأن شعبيتنا لم تتأثر، وأن أزمتنا داخلية وأن المنتقدين يعيشون حالة نفسية تحتاج إلى علاج، في وقت كان فيه جزء من قيادتنا مصاب بمرض “إنكار الواقع”، وإلا فكيف نفسر ارتفاع أصوات عدد كبير من المنتقدين من أبناء الحزب لواقع الحزب ومساره بغيرة وحرقة استمرت لسنوات؟

من السابق لأوانه الجواب عن سؤال مستقبل الحزب، لأنه مرتبط بمستقبل الوطن وهو أولى، فقد مرت الانتخابات في أجواء غير مريحة طبعها تراجع كبير عن الاختيارات الديمقراطية، وقد سبقتها آلة التنميط والتمييع وقتل المعنى وإلغاء الاختلاف، في الإعلام والمجتمع المدني والأحزاب، وهذا أمر خطير يضع البلد على سكة الصوت الواحد والرأي الواحد والمقاربة الواحدة المفروضة بالقوة والمال الذي يشتري الجميع، ومن يحاول الاختلاف فسيتعرض للسحق، بالضبط كما حدث مع حزب العدالة والتنمية الذي لم يتم الاكتفاء بتحجيمه بطريقة مدروسة وهندسة متقنة، بل تم إذلاله وسحقه بطريقة لا يستحقها بالنظر إلى تاريخه وإسهامه الوطني ونزاهة أغلبية منتخبيه وأطره مهما كانت أخطاؤهم أو محدودية أدائهم.

قبل سؤال الحزب هناك سؤال الوطن ومستقبله الديمقراطي والحقوقي، وأي محاولة للجواب عن الأول دون استحضار الثاني، ستكون مجرد أنانية وانكفاء حزبي وإيديولوجي.

قلت سابقا أن مرحلة انتهت من عمر حزب العدالة والتنمية، وعمر مشروع “الإسلام السياسي” ليس في المغرب فقط وإنما في المحيط الإقليمي والجهوي، وأن حزب العدالة والتنمية في صيغته الحالية لا يمكنه أن يعود. نحتاج إلى وقت طويل للتهييء لولادة جديدة للحزب بعد مراجعات جذرية للمقولات الأساسية التي تأسس عليها فكريا وسياسيا، مراجعات لابد لها أن تتسم بالجرأة في قراءة التحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب وحاجيات الجيل الجديد المختلف عن جيل تأسيس الحركة الإسلامية في كل شيء، وإلا فسنختار تأبيد الإغتراب بالإصرار على العودة إلى الخلف بدل التقدم للأمام.

ربما تكون الصدمة الحالية ضرورية للإعتراف بأخطائنا، والتفكير في خدمة وطننا وقضاياه بمنظور جديد وأفق متجدد لا يفرط في رصيد حزبي كبير، بُني بالكثير من الصدق والإخلاص والوطنية التي تظل غير كافية إذا لم تجدد نفسها بناء على معطيات الواقع المتحول.

من حقنا كأبناء وبنات الحزب بعد كل هذا العمر الذي أمضيناه في النضال السياسي أن نعيش حزننا وألمنا على ما آل إليه حزبنا، وأن لا نلتفت كثيرا للشامتين أو المتهافتين والمتجرئين الذين يكثرون لحظة السقوط، من حقنا أن نتأمل وأن نعتبر، وأن نحاول قول الحقيقة في أنفسنا وفي غيرنا بالكثير من النسبية والقدرة على التجاوز والاستشراف الفعال.

*برلمانية سابقة

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق