ليالي الأنس في باريس

الكاتب: رشيد نيني

بالنسبة إليّ، أولا كصحافي مهمته مراقبة كل من يتصرف في المال العام، وثانيا كدافع ضرائب يتقاضى ممثلو الأمة والوزراءرواتبهم من هذه الضرائب، فإن صور المواطن المتشبه بالنساء بمراكش الذي تم توقيفه بسبب فراره بعد اقترافه لحادثة سير لاتهمني إطلاقا، لأن الأمر يتعلق بمواطن عادي لا يتحمل أية مسؤولية سياسية أو تمثيلية ولا يتصرف في أية ميزانية عمومية ولاينتمي لحزب يوجد في الأغلبية الحكومية يدعي المرجعية الإسلامية.

فتلك إذن حياته وهو حر فيها، وطالما أنه لم يرتكب ما يخالف القانون ولم تمس ممارسته لحريته الشخصية بحريات الآخرينفإن لا أحد له الحق في محاسبته على اختياراته الجنسية أو العقدية.

ما يمكن أن يهمنا كصحافة هو احتمال تسريب صور له وهو قيد التوقيف، وطبعا فهذا عمل مدان وقد فتح بشأنه المدير العامللإدارة العامة للأمن الوطني بحثا إداريا لتحديد ملابساته، والمؤكد أن كل من تجاوز حدود مسؤولياته في هذه الواقعة سينالالعقاب المناسب.

وبالمقابل، ما يهمني أكثر هو صور البرلمانية والقيادية في الحزب الحاكم أمينة ماء العينين وهي تتمتع بعطلتها الصيفية بدونحجابها الإسلامي الذي ترتديه في المغرب والمؤسسة البرلمانية.

ما أسباب هذا الاهتمام الإعلامي؟

أولا لأن السيدة ماء العينين ليست شخصية عادية بل هي شخصية عمومية، وفضلا عن كونها برلمانية فهي شخصية سياسيةمثيرة للجدل بسبب خرجاتها وتدويناتها ومواقفها التي تظهر فيها تشبثا بمبادئ الدين الإسلامي على مستوى الشكل كماالمضمون.

وخلافا لما أرادت السيدة ماء العينين إظهاره إزاء كل من اهتم بموضوع هذه الصور مقدمة إياه على شكل تحرش بشخصهاواقتحام لحياتها الخاصة لمجرد أنها امرأة، فإننا ننبه منذ البداية إلى أن تناولنا لموضوع صورها بدون حجاب لا علاقة له بكونهاامرأة، بل بكونها فاعلا سياسيا يتحرك بوجهين يصدران عن خلفية إيديولوجية متناقضة، تماما كما حدث مع الوزير يتيم عندماظهر في باريس يدا في يد مع من سماها آنذاك خطيبته، رغم أن مرجعية حزبه تحرم مثل هذا النوع من العلاقات.

وطبعا كان سيكون ظهور البرلمانية ماء العينين في أوربا بلباس شبابي متحرر بدون غطاء للرأس عاديا لو أنها كانت امرأةعادية، لكن بما أنها تنتمي لحزب يدعي المرجعية الإسلامية ويجعل من الحجاب واللحية والزي التقليدي رموزا ظاهرية لتمييزمناضليه وقيادييه عن بقية الأحزاب السياسية الأخرى، فإن سؤالا عريضا يطرح نفسه هنا هو: لماذا ترتدي السيدة البرلمانيةالحجاب عندما تكون في المغرب وتتحرر منه عندما تكون في أوربا؟

ستجيب السيدة البرلمانية وستقول إنها حياتها الخاصة وهي حرة في ارتداء ما تشاء أينما تشاء، وقد نشرت تدوينة على صفحتهابالفيسبوك لا تنفي فيها نزعها للحجاب خارج المغرب وارتداءها لمايو السباحة على الشواطئ، بقدر ما تبرر ما قامت به مرجعةالانتقادات ضدها إلى ما أسمته “الخوض في الأعراض واستهداف الحياة الخاصة والابتزاز بالعائلة والمجتمع والشائعات والقيلوالقال”.

هروب السيدة ماء العينين إلى الأمام سببه أنها تعرف أكثر من غيرها أن حزبها شيد كل بنيانه الإيديولوجي على المرجعيةالإسلامية مستغلا الرموز الدينية في إقناع الناس بالتصويت له لكي يصل إلى السلطة، وهذا ما تحقق له قبل سبع سنوات،وبفضله دخلت ماء العينين البرلمان وحصلت على العضوية في المجالس التي تتقاضى تعويضات مجزية عنها، وبفضل ذلكسافرت إلى كل بقاع العالم على حساب أموال دافعي الضرائب.

بمعنى أن زيها الإسلامي هو جزء من شخصيتها السياسية كبرلمانية في الفريق النيابي للحزب الحاكم، و”اللعب” بهذا الزيحسب الأمكنة فيه نوع من النفاق والتحايل والتدليس، وإلا ما الذي يمنع السيدة ماء العينين من ارتداء نفس الأزياء الشبابيةالمتحررة التي تلبسها في أوربا داخل المغرب ؟

الجواب أنها لن تجرؤ، ليس لأن المجتمع متخلف ومحافظ ورجعي ولن يقبل بلباس السيدة النائبة المتحرر، بل لأن السيدةالبرلمانية خائفة من فقدان “الأصل التجاري” للمظهر الإسلامي الذي تعيش على عائداته وأرباحه السياسية.

مشكلة حزب بنكيران أنه شيد وجوده كله فوق شعارات العفة والأخلاق، ولذلك فعندما تنفجر مثل هذه الفضائح في وجه بعضقيادييه يصاب الناس بالصدمة من حقيقة مدعي الأخلاق والعفة عندما يقفون أمام الرأي العام عراة من أقنعتهم الزائفة.

المشكلة أن هؤلاء لا يريدون أن يفهموا أنهم ليسوا أشخاصا عاديين، وإنما برلمانيون ووزراء يتقاضون أجرهم من أموال دافعيالضرائب، وعندما يقحمون هم أنفسهم حياتهم الخاصة وعلاقتهم الشخصية في أمور لها علاقة بالشأن العام، فيبقى من حقالرأي العام أن يعرف تفاصيلها.

من حق السيدة ماء العينين أن تختار الزِّي الذي يناسبها، لكن ليس من حقها أن توظف زيا إسلاميا داخل المغرب إرضاء للتوجهالعام لحزبها الذي لا يتقبل عضوات غير محجبات، فيما تلبس زيا متحررا في أوربا إرضاء لنفسها ولعائلاتها الجديدة.

واليوم بعدما ظهرت السيدة البرلمانية بتيشورت نص كم وبنطلون جينز فاتحة ذراعيها أمام الكباريه الباريسي الشهير”الطاحونة الحمراء”، نريد أن نسمع تعليق عبد الإله بنكيران الذي سبق له أن احتج صارخا في وجه مصورة القناة الثانية عندمادخلت البرلمان بنفس اللباس الذي ظهرت به اليوم أخته ماء العينين، فهل سيعتبره لباسا عاديا أم أنه سيدعو لها بالهداية ؟

هذا هو الفرق إذن بين صور المواطن المتنكر في لباس النساء بمراكش وصور البرلمانية ماء العينين المتنكرة في زي إسلاميداخل الحزب الحاكم وتحت قبة البرلمان.

فالأول مواطن عادي لا يتقاضى راتبه من أموال دافعي الضرائب وحياته الخاصة وصوره لا تهمنا في شيء، فيما الثانية تعيشمن عائدات المناصب التمثيلية التي لديها وبالتالي فحياتها الخاصة وصورها إذا كانت تكشف عن تناقضات إيديولوجية وسياسيةتهمنا كصحافة وكدافعي ضرائب. ليس حبا في سواد عينيها طبعا ولكن كشفا لتناقضات ونفاق حزب يقود الحكومة منذ سبعسنوات رافعا شعارات الأخلاق والعفة وطهارة اليد. 

 

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق