لماذا لا تفسدون لعبة الدولة العميقة؟

الجزء: الأول

الكاتب: عبد المولى المروري*

لقد لاحظت أن حدة التقاطب بين مؤيدي عبد الإلاه ابن كيران ومؤيدي سعد الدين العثماني ما يزال مستمرا ومتصاعدا، خاصة بعد كل حملة مضايقة يتعرض له الحزب أو أحد المنظمات التابعة له أو أحد قياداته.. وكنت أمني النفس، ومازلت أن يتوقف هذا التقاطب المجاني الذي يضعف الحزب تنظيما ومشروعا، وتفويف فرصة النيل منه وإفشاله على يد أعضائه وليس أعدائه..

ولكن، وبعد حملة التضييق التي مورست من طرف جهاز الداخلية التابع للدولة العميقة على شبيبة العدالة والتنمية بمناسبة أنشطتها الجديدة، طفى مجددا هذا التقاطب الذي لابد أن يوضع له حد نهائي وعاجل حفاظا على وحدة الحزب ولحمة الأخوة وأهداف المشروع الإصلاحي الذي يحمله الحزب وأعضاؤه.

في هذا المقال سأحاول أن أوضح (ليس لأعضاء الحزب الغارقين في حملة التقاطبات فقط، بل هذا المقال موجه كذلك إلى قادة الحزب الحاليين على مستوى الأمانة العامة ووزراءه)، سأحاول أن أوضح مجموعة من المفاهيم والمواقف والعلاقات التي استعصى فهمها على مجموعة من المتابعين للشأن السياسي المغربي والغيورين على وطنهم، ويؤلمهم ما يقع لحزب العدالة والتنمية من مضايقات وتحرشات، وأخطر شيء ما يتعرض له قادة الحزب الحاليين، خاصة الدكتور سعد الدين العثماني، من حملات التبخيس والاستهزاء .. ليس فقط من خصومه السياسيين، بل كذلك من جزء كبير من أعضاء الحزب ومناصريه والمتعاطفين معه..

وقبل ذلك، يجدر بي التنبيه وإدراك حقيقة الاختلافات البينة والواضحة بين مشروع الدولة والعميقة وحزب العدالة والتنمية، وهي اختلافات سبق أن خصصت لها موضوعا خاصا قبل سنوات (1)، وإني للضرورة أذكر بها الآن تمهيدا لما سيأتي. وتتركز أهم التباينات بين الدولة العميقة وحزب العدالة والتنمية فيما يلي:

1/ الهوية والمشروع الثقافي: فالدولة العميقة تؤمن بالفكر الليبرالي الحر على مستوى الفردي والاجتماعي، والتوسع في مجال الحريات الشخصية.. بالمنظور الغربي الليبرالي، بخالاف حزب العدالة والتنمية الذي له توجه محافظ يركز على الحفاظ على هوية الشعب المغربي في إطار القيم الإسلامية التي لا تعطي الحرية المطلقة للفرد بشكل يتعارض مع قيم الإسلام والتقاليد المغربية..

2/ تعامل الدولة العميقة مع الديمقراطية والتداول على السلطة تعاملا اضطراريا وليس مبدئيا أملته عليها أحداث الربيع العربي والتحولات الدولية، ولا تجد حرجا في الانقلاب على ذلك وقتما وجدت لذلك سبيلا، في حين حزب العدالة والتنمية حزب يؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة في إطار القانون والدستور..

3/ الدولة العميقة تعمل على احتكار الثرروة وتكديسها في قلة من قادتها، ولا تسعى إلى التوزيع العادل لها، وبالتالي لا تؤمن بشيء اسمه ” العدالة الاجتماعية ” ، في حين يدعو حزب العدالة والتنمية إلى اقتسام الثروة وإلى عدالة اجتماعية لكل المغاربة.

3/ الدولة العميقة ما تزال ترتبط بتبعية اقتصادية وسياسية وإدارية عميقة وبنيوية مع فرنسا، ولا تفكر في فك هذا الارتباط الغريب، بخلاف حزب العدالة والتنمية الذي يسعى إلى التخلص من هذه التبيعية وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي..

هذه أهم التباينات بين مشروع ورؤية الدولة العميقة وحزب العدالة والتنمية، الأمر الذي يجعل التعايش بينهما تعايشا مؤقتا فرضته موازين القوى الحالية والتقلبات الدولية، لذلك فهو محكوم – إن آجلا أو عاجلا – بالتوقف ما لم يحدث تغيير جوهري في بنية وتصور وتوجه الدولة العميقة تجاه الحزب وباقي مقومات الوطن.

لذلك فنظرتها لمجموع الحزب وتوجهه هي الأهم، ونظرتها لاختلافات قياداته كنظرتها لوجهي العملة النقدية الواحدة.. فنظرتها لابن كيران كنظرتها للعثماني، لأن كلاهما يحملان المشروع ذاته والتوجه ذاته.. فهي (أي الدولة العميقة) لا يهمها أسلوب وطريقة كلام وعمل كل واحد منهما، بل منطلقاتهما الفكرية وأهدافهما السياسية والاجتماعية والاقتصادية وما يشكل ذلك من تهديد مستقبلي لكيانها ومصالحها، ولا أشك لحظة واحدة أن كلا الزعيمين يتقاسمانها ويجتمعان حولها..

أين تكمن لعبة الدولة العميقة؟

لا ينكر جاحد أن الأستاذ عبد الإلاه ابن كيران قاد الحكومة السابقة بجدارة واقتدار، وحنكة وإخلاص، لا أقول قل نظيرها في التاريخ المغربي، بل أجزم بالقول بأنه انعدم نظيرها بالمطلق، وهذه حقيقة لا أجامل بها، بل أومن بها إيمانا مطلقا.. وتلك النجاحات التي حققتها حكومته بقيادته، وتلك الشعبية المنقطعة النظير الذي حفته، وذلك التعاطف الشعبي الذي احتضنه، خاصة خلال فترة “البلوكاج” قض مضج الدولة العميقة وأرادت التخلص من هذا الكابوس بأسرع ما يمكن، فاهتدت إلى فكرة غاية في الدهاء السياسي؛ إزالة ابن كيران وإضعاف الحزب في آن وحد!!

فأما إزالة ابن كيران فكل المتتبعين على دراية بالطريقة الدرامية التي تم التخلص بها من شبح ابن كيران، الأمر الذي يعتبر إيذانا واضحا بعودة الدولة العميقة إلى التحكم في المشهد السياسي وتطويعه وفق إرادتها.

وقد سعت الدولة العميقة من خلال هذا العزل إلى إحداث تصدع سياسي وتتظيمي داخل جسم العدالة والتنمية، وزرع الفرقة والخلاف بين أعضائه، وانقسامهم إلى أتباع ابن كيران وأتباع العثماني، فإلى أي حد نجحت في ذلك؟
وما هي الأدوات التي استعملتها لتحقيق هدفها؟
وكيف يجب مواجهة وإفشال لعبة الدولة العميقة في صناعة استقطابات مجانية داخل بنية الحزب؟
الإجابة عن هذه الأسئلة، وحتى لا يقع أعضاء الحزب في فخ هذه اللعبة، ستكون موضوع الجزء الثاني من هذا المقال.

*محامي وسياسي

(يتبع)

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق