قضية حامي الدين.. تصفية شخص أم إنهاء الحاجة لحزب؟

 بقلم الكاتب: بلال التليدي

يصعب أن نعطي توصيفا آخر لإعادة متابعة عبد العالي حامي الدين في قضية صدر فيها حكم نهائي، غير كونه إيذانا بدخول “التحكم” على الخط، واستعمال مؤسسة القضاء لتصفية الحساب مع حزب سياسي يوجد اليوم على رأس التدبير الحكومي.

أنصار أطروحة التحكم، لا يرون بأسا ولا حرجا في استعمال الأشخاص والأحزاب وحتى المؤسسات لتحقيق طموحاتهم التي استحال تحققها بقوانين السياسة، لكنهم لا يدركون خطورة هذا الرهان، والفروق الكبيرة بين استعمال الأشخاص والأحزاب والمؤسسات.

بالنسبة للأشخاص، فثمة مخزون مهم يمكن الالتجاء إليه لتوسيع الموارد البشرية الداعمة للتحكم، فهناك مناضلون قدامى، وقعوا في دائرة الإحباط بسبب عدم تحقق أحلامهم الثورية أو النضالية، ثم ضياع حظهم في الدنيا، فيعلنون اليوم جاهزيتهم للدخول في هذا المشروع وتأثيث مقاعده ولعب الأدوار القذرة، أما بالنسبة للأحزاب، فمن السهل التحكم فيها بآليات الاختراق والترويض والإلحاق وغيرها، وفي الحالتين معا- توظيف التحكم للأحزاب والأشخاص- فالنتيجة التي ظهرت على أرض السياسة هي تراجع مساحة استقلال القرار السياسي وانهيار أنظمة الوساطة بالنسبة للأحزاب، وبؤس المثقف والمناضل بالنسبة للأشخاص.

أما بالنسبة لمؤسسة القضاء، فإن المخاطر أكبر، ففضلا عن تعريض البناء الدستوري بكامله للاختلال، وضرب مبدأ توازن السلط، فإن المواطن بدخول التحكم على خط القضاء لن يشعر بعد اليوم بالأمان، ما دامت هناك سلطة أخرى غير سلطة القانون، تتدخل لتتحكم في حريته، وتجعلها مقيدة بـ”الدخول إلى الصف”.

والواقع أن إمكانية التحكم في القضاء من أطرافه وإن كانت ورادة، وقريبة في شكلها من توظيف الأشخاص، إلا أن مستقبلها محكوم بالفشل، فالظواهر السياسية، التي تنشأ من رحم المجتمع، وتصعد بشروط السياسة، في دائرة الطبيعة، يصعب إنهاؤها أو إضعافها بهذه الطريقة، بل التجارب والوقائع القريبة والبعيدة، تؤكد بأن الظواهر تستمر وتتقوى وتتوسع كلما تم الاستعاضة عن الطبيعة بالتحكم، وعن السياسة بتوظيف المؤسسات وإخراجها عن اختصاصاتها، وكلما تم التحريك القسري للمجتمع من غير وعي منه لإدانتها على شاكلة مسيرة ولد زروال الرديئة.

هل كان البلد في حاجة للدخول في هذا الضيق بتعريض مؤسسة القضاء للحرج، وخلق الالتباس وتوسيع الشك حول اختياراته الحقوقية؟

لا أظن ذلك، ولا حتى الحزب الذي يقود الحكومة، يستحق مثل هذه الإهانات المتكررة لمحاولة بهدلته وتعريض سمعته وصورته للنسف.

في سياق الصراعات السياسية والتوترات، قد نفهم أن تقدم جهة ما على استهداف حزب من الأحزاب، أو تشويه سمعته، أو المس بمناضليه، لكن، بالنسبة لحالة المغرب، فالوضع جد مختلف، فلا هو يعيش لحظة صراع أو توتر ببين مؤسساته، ولا الحزب الذي توجه إليه اليوم مثل هذه المناورات، جاء من خلفية ثورية أو انقلابية أو حتى خلفية مغالبة للشرعية، فالحزب ما فتئ يقدم نفسه على أساس أنه يتبنى الدولة، ويدافع عن اختياراتها، دون أن يأخذ ثمنا على ذلك، وجاء بعبارة بنكيران لـ”مساعدة الدولة”، واعتبر أن ليس هناك صيغة ممكنة للخروج من الربيع العربي الممتد إقليميا سوى بالإصلاح في ظل الاستقرار وبشراكة مع الملك.

إذا كانت الرسالة، هي نهاية الحاجة إليه، فهذا ممكن خارج منطق البهدلة، إما بصيغ الدستور إن كان هناك استعجال، أو بديناميات السياسة، إذا كان الصبر يتحمل انتظار الاستحقاق الانتخابي القادم.

تقديري، أن العدالة والتنمية اليوم بالشروط التي يشتغل فيها، لا يربح سياسيا في موقعه الحكومي، بل يتحمل كلفة كبيرة سواء في مواجهة تحديات تراجع شعبيته، أو محاولة تسوية وضعية تماسكه الداخلي، وما يبرر وجوده في الحكومة ليس هو رغبته في مراكمة إصلاحات تعود على شعبيته بالتوسع في الاستحقاقات القادمة، وإنما يتبرر استمراره في موقع الحكومة اليوم بالدواعي نفسها التي جعلته يقف مع الدولة مع حراك 20 فبراير 2011، ويساعدها في تجنب مطبات اللاستقرار.

أن يأتي حزب أو يروح، فهذا أمر ممكن وسهل، سواء بشروط الدستور، أو بشروط السياسة، وهذا إن تم بالآلتين معا، لا يؤثر على الاستقرار ولا على صورة المغرب وسمعته، لكن الخطورة، هي أن تبرر عدم الحاجة لحزب ما عند بعض الجهات اللجوء إلى آليات التحكم، بإخراج المؤسسات عن وظيفتها، والمقامرة بتوازنها لتحقيق طموح لا مستقبل له.

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق