عودة الأمازيغية في شمال إفريقيا

الكاتب: حسن أوريد

المتتبع لما يجري في شمال إفريقيا سوف يلحظ حضور الأمازيغية في ما يعتري المنطقة من دينامية، وما تعرفه من حراك. بدا ذلك مع الربيع الديمقراطي قبل ثماني سنوات، وكانت ترمز لذلك الأعلام الأمازيغية، التي كانت ترفرف في المسيرات في شوارع المغرب وتظاهرات ليبيا، وبعده في حراك الريف في المغرب، فحراك الجزائر، سواء في تظاهرات الداخل أو الخارج، وأخيرا من خلال المطالبة بإنشاء حزب سياسي في تونس، ذي مرجعية أمازيغية، هو حزب «أكال» أو الأرض باللغة الأمازيغية.

تؤشر هذه العودة إلى مرحلة جديدة في مسار الحركة الأمازيغية، التي كانت قد توارت إبان المعركة من أجل الاستقلال.

عاش المغرب والجزائر شبه صدمة، وشبه إنكار ثقافي وسياسي للأمازيغية، جراء ما سمي بالظهير البربري، الذي أصدرته السلطات الاستعمارية في المغرب سنة 1930 المقر بالأعراف الأمازيغية في المناطق الناطقة بها، ونُظر إليه كسعي للتفرقة بين العرب والبربر. أما الجزائر فقد عاشت تبعات ما سمي بـ»الأزمة البربرية» سنة 1949 داخل حزب الشعب الجزائري، وتقرر عدم طرحها، لأن من شأن ذلك أن يقسم الصف الوطني. توارت الأمازيغية لتصبح لاوعيا تاريخيا، ولتظهر عقب الاستقلال، في كل من المغرب والجزائر، من خلال حركات رفضت التنميط الذي فُرض بناء على تصورات أيديولوجية، إما ناجمة عن خطاب الحركة الوطنية، أو تأثير القومية العربية، أو تنميط إداري مستقى من التجربة الفرنسية المعروف بالدولة اليعقوبية. تحولت الأمازيغية بعدها من مطالب سياسية إلى اهتمامات ثقافية، بدا ذلك من خلال أشغال جمعيات وأكاديميات في كل من المغرب والجزائر، منذ الستينيات، ولكن المؤشر الحاسم لهذا التحول الثقافي، كان ذلك الذي برز في أعقاب منع محاضرة للأكاديمي مولود معمري في رحاب جامعة تيزي وزو في إبريل 1980 عن الشعر الأمازيغي الشعبي في منطقة القبائل، وتفجر عقب ذلك ما سمي بالربيع الأمازيغي، وبلغت أصداؤه المغرب.

حاولت السلطات المغربية أن تحتوي الموجة من خلال السماح بصدور مجلة بالفرنسية حول القضايا الأمازيغية، إلا أنه حينما طرح المؤرخ علي صدقي أزايكو في عدد باللغة العربية سنة 1982 ضرورة تبني مقاربة ديمقراطية لثقافة شمال إفريقيا، وقراءة تاريخية موضوعية، منعت السلطات المجلة، وحكمت على صاحب المقال بالسجن.

يمكن نعت الفترة التي أعقبت الربيع الأمازيغي، بالنسبة للأمازيغية بسنوات الجمر، كما يقال في الجزائر، والرصاص كما يستعمل في المغرب. أصبحت الأمازيغية وكل من يطالب بها موضع شبه وعرضة للتضييق..
لم يحدث الانفراج إلا في أعقاب سقوط حائط برلين، حينما ظهر تأثير المحددات الثقافية في ما عرفته أوروبا الشرقية، والثمن الباهظ الناجم عن قمع الخصوصيات أو تجاهلها، كما ظهر في حالة ما كان يعرف بيوغوسلافيا، بدا الانفراج بشكل محتشم، وعرفت الجزائر إنشاء حزب ذي مرجعية أمازيغية وهو «حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، وأخذت بعض الأعمال الأكاديمية حول اللغة الأمازيغية وثقافتها تُنشر في المغرب، وبدأت بعض الجمعيات في الظهور.. ورغم ذلك تلكأت الدولتان، المغرب والجزائر، اللتان كانتا تحت تأثير خطاب الحركة الوطنية، الذي كان ينظر بتوجس للأمازيغية باعتبارها من مخلفات الاستعمار، وأداة التفرقة. لم تغيّر السلطات في كل من الجزائر والمغرب رؤيتها لإجراء نوع من التطبيع بالاعتراف بالمطالب الثقافية، إلا أمام إصرار الحركة الأمازيغية. بدأت فترة ثالثة في التعاطي مع الأمازيغية حصرتها في البعد الثقافي تحت نظر سلطتي البلدين ورقابتيهما ورعايتهما.

تلوح لحظة رابعة هذه التي ألمحت لها في صدر مقالي، تتجاوز المرحلة الثالثة التي حصرتها في البعد الثقافي، إلا أن هذه المرحلة الرابعة لم تكتمل معالمها بعدُ، ويمكن أن نوجز ما يعتمل بها:
– اتجاه يطالب بتفعيل التزامات الدولة، في المغرب كما في الجزائر، ويشتغل على السقف الذي تفرضة الاهتمامات الثقافية، إذ لا يعيد النظر في سياسة الدولتين، ثقافيا ولا سياسيا، بقدر ما يطالب بتفعيل ما تقرر.
– اتجاه يُغلّب الجانب السياسي، ويُركز على الخصوصية الأمازيغية، سواء في المناطق الناطقة بالأمازيغية، أو لدى «العنصر» الأمازيغي، من خلال لغته وثقافته وعاداته، بل وعرقه.

توارت الأمازيغية لتصبح لاوعيا تاريخيا، ولتظهر عقب الاستقلال، في كل من المغرب والجزائر

– اتجاه مستتر، يلتقى مع الثاني في القول بأن الأمازيغية ذات طبيعة سياسية، ويختلف معه في النظر إلى الأمازيغية ليست كتعبير عن خصوصية محلية، ولكن كانتماء حضاري، ومن ثمة فهي التعبير عن رمز وحدة شمال إفريقيا، والإقرار بكل التأثيرات الثقافية التي عرفتها، ولذلك فهي لا تدعي الصفاء العرقي، ولا التنميط الثقافي. تنطلق من القاعدة الجغرافية التي كانت وعاء للحضارات التي توالت على شمال إفريقيا، والتي تمخض عنها ما يسمى بالشخصية المغربية (بالمعنى العام لكلمة المغرب). يفضل هذا الاتجاه مفهوم الشخصية على الهوية، لأن الشخصية تحيل إلى المشترك، في حين تحيل الهوية إلى ما يرمز للخصوصية.

والعنصر الملازم لهذا الاتجاه، هو الانغمار في التجربة الكونية أو التحديث، ليس من خلال التقنيات وحدها، ولكن من خلال المرجعيات. لا يقفز هذا الاتجاه على التناقضات، وأي مجتمع هو في منأى من التناقضات، ويرى تدبيرها من خلال ميكانيزمات عصرية. ولا يمكن والحالة هذه الارتكان للتاريخ ولتجارب سابقة عبر التاريخ، وإنما من خلال إطار جديد، يقر بالتنوع والاختلاف.

الاتجاه الأول، رغم شرعية مطالبه الثقافية وعمله الأكاديمي وواقعيته، محدود التأثير بل متجاوز، والاتجاه الثاني، قابل للاشتعال، لأن من شأنه أن يفرز ردود فعل قوية، إما من لدن السلطات التي قد ترى في خطاب الخصوصية مطية للانفصال، أو حتى من اتجاهات سياسية مؤثرة، إما من مخلفات خطاب الحركة الوطنية، أو من الحركة الإسلامية، أو جيوب القومية العربية، المؤثرة على مستوى الإعلام العربي الدولي، أو حتى من عناصر قد تدفع بأصولها العربية.. أما الاتجاه الثالث، فعيبه أنه نخبوي وضامر، وينظر له الناشطون الأمازيغ، خاصة من يستمسكون بالخصوصية بكونه رخوا، إن لم يكن متخاذلا، كما تنظر له السلطات بتوجس، لأنه يتجاوز بارديغم الدولة القطرية، ولكنه يبدو الإطار الذي من شأنه احتواء التناقضات، باعتباره الإطار الذي من شأنه صون الوحدة على مستوى كل قطر، وتحقيقها على المستوى الإقليمي، ولو على حساب «الصفاء» الأيديولوجي أو الثقافي، أو بارديغم الدولة القطرية، ولأنه يستبطن المراحل التاريخية التي تعاقبت على شمال إفريقيا، ويستوعب كل مكوناتها الثقافية، بلا ميز ولا إقصاء.

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق