سياسيون مثلهم كمثل الذباب!

بقلم: أمين بوشعيب – إيطاليا

يعتقد بعض الناس أنه بمجرد أن يكون ذا مالٍ وجاهٍ فذلك يخوِّل له الدخول إلى معترك السياسة واللعب فيه بكل أريحية ما دام أنه قادر على الدفع لشراء هذا وذاك. ونسي هؤلاء أن السياسة فعل نبيل يروم إلى تحقيق قيم الخير والحرية والعدل في المجتمع. وأن السياسي الناجح ليس هو «المنتصر» الذي يصرف الأموال الطائلة في سبيل إظهار الغلبة والتفوق على خصومه، أو ذلك الذي لا يتورّع عن فعل أي شيء لتحقيق أهدافه باستخدام جميع الوسائل، بل هو من يؤمن بتلك القيم والمثل العُليا ويتشبث بها ويعمل على نشرها. فالإيمان بالقيم والمثل العليا له جذوره العميقة التي تمتدّ في داخل النفس وهو متأصّل مع الطبيعة والفطرة، وليس من الممكن أن يخلع الإنسان عن نفسه الإيمان بالمثل العليا، فإنه بذلك يفقد إنسانيته. أمثال هؤلاء، في المغرب يوجدون بكثرة. استيقظ أحدهم ذات صباح فوجد أنه أصبح من أغنى الأغنياء، فأبوه مات وترك له ثروة هائلة، هرع إليه ” أصحاب الوقت” وأوهموه أن له في عالم السياسة باع طويل، فسلّموه حزبا وأنصارا يهتفون باسمه، وقرّبوه ثم نصبوه وزيرا وأعطوه حقيبة كبيرة وثقيلة، وأطلقوا يده في البر والبحر، وخصصوا له صناديق ملأى بالأموال يصرفها كيف يشاء ومتى يشاء وعلى من يشاء، ثم همسوا في أذنه ” أنت الزعيم الذي كنا نبحث عنه، أنت الذي سيقضي على الظلامية والرجعية، سنحميك من أجل ذلك، وسنمكنك من حصانة قوية لتدبير شؤونك العمومية والخاصة على حد سواء.

دخل صاحبنا معترك السياسة يحاكي انتفاخا صولة الزعيم المحنّك، وسار يهرف بما يعرف وبما لا يعرف، يوزع الوعود ذات اليمين وذات الشمال، هنا في المغرب وحتى خارج المغرب، يعد الناس أنه منقذ المغرب من الضياع، ووعدهم بمواصلة سياسة القُرب منهم للإنصات إليهم ولهمومهم، والعمل على وضع حلول ناجعة لكل المشاكل لضمان نمو اقتصادي واجتماعي ليعيشوا رغد العيش في مملكتهم السعيدة.

كان صاحبنا يتلقى التهاني والتشجيع من ” أصحاب الوقت ” فأخذ يضاعف من خرجاته هنا وهناك مستهدفا جميع المغاربة وحتى مغاربة العالم، ويوجّهُ إليهم رسائلَ مباشِرةً يدعوهم فيها إلى العمل سويا لبناء المغرب الجديد وتحقيق مصلحته العليا، لكنه اشترط عليهم أن يصوتوا لصالح حزبه من أجل تحقيق كل الوعود التي وعدهم إياها. ونسي المسكين أن المواطنين الذين يعدهم ويُمنّيهم قد أصدروا حكمهم، حين تجنّدوا كلهم – وفيما يشبه التصويت القبلي – وقاموا بمقاطعة شركته الضخمة جدا التي أحرقت معيشتهم بلهيب الأسعار ونهبت جيوبهم بدون وجه حق، وبدون حسيب ولا رقيب.

ولأنه لا يفقه في علم السياسة شيئا، اعتقد أن السياسة تبيح المحظورات، ولتحقيق أهداف شريفة، فلا مانع من استخدام وسائل غير شريفة، فاختلط مفهوم السياسة عنده بالمكر والدسائس واستعمال الأموال خارج منظومة الأخلاق والمثل العليا من أجل هزيمة الخصوم ودحرهم. فصنع طواحين الهواء وتخيل انها غيلان أسطورية وجعل يقاتلها ببسالة كما فعل النبيل “دون كيشوت” بطل رواية الكاتب الإسباني العالمي ميغيل دي سيرفانتيس “دون كيخوته دي لا مانشا” .

ومن أجل إضفاء مزيد من المصداقية على بطولاته الوهمية، أوحى إلى بعض حوارييه أن يعلن إلى وسائل الإعلام أن الدولة تقف ضد حزبه ويتّهمها بنصب المشانق لزعيم الحزب المفدّى وذلك من أجل ابتزاز المغاربة عاطفيا وجلب أصواتهم في الانتخابات القادمة.

عجيب أمر هذا الشخص الذي يوجّه طاقاته إلى طواحين الهواء لتسجيل الانتصارات الجوفاء عليها. هذا الذي شغل الناس طوال الوقت بمعارك وانتصارات وهمية ومعارك فرعيه جانبيه لا قيمة لها، هو نفسه ذلك الشخص الذي يحتقرهم ولا يهمه منهم سوى أصواتهم، وبعد ذلك ينهبهم بواسطة شركاته المتعددة.

إن مثل هذا الشخص والأشخاص الذين يحترفون السياسة من أجل قضاء مصالحهم الشخصية، مثلهم كمثل الذباب يقوم بالنهب والسلب ولا يعطي شيئا. وليس مثلهم كمثل النحل الذي يعطي دوما بلا كلل ولا ملل، فالذباب لا يمكن أن ينتج عسلا.

فلاش: أي تشابه بين أوصاف هذا الشخص وما جاء في هذه المقالة مع الواقع، فهو ليس من وحي خيال الكتاب ولا من باب الصدفة المحضة، بل هو مقصود في حد ذاته.

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق