سليمان كما عرفته

الكاتب: يونس مسكين

في يوم صيفي قائظ من أواخر شهر يوليوز عام 2016، جمعني أول لقاء بزميلي سليمان الريسوني الذي قضى يوم عيد الفطر الأخير بين زنزانة وتحقيق وتفتيش منزلي. لم يكن المكان سوى مطار «المسيرة» بمدينة أكادير، فقد كانت الطائرة نفسها قد أقلتنا من مطار محمد الخامس، دون أن ينتبه أحدنا إلى الآخر. بعد مغادرة المطار، وجدنا نفسينا نقف جنبا إلى جنب، ليتعرّف كل منا على الآخر من خلال معرفة كل منا المسبقة بالآخر من خلال الصور.

سلّمنا على بعضنا البعض، واكتشفنا أننا ننتظر الشخص نفسه لينقلنا إلى مكان تنظيم الندوة السياسية نفسها التي دعينا إلى المشاركة فيها. بمحفظته التي لا تفارق كتفه ولكنته الشمالية وتعطشه الدائم إلى النقاش السياسي، تعرّفت عليه عن قرب ونحن في طريقنا إلى مكان انعقاد الندوة. لا أذكر بعد تلك الواقعة أن لقاءات أو اتصالات كثيرة جمعتني بسليمان الريسوني، باستثناء مرة أعتقد أنه طلب مني فيها رقما هاتفيا لإحدى الشخصيات التي كنت قد حاورتها.

بعد حوالي عام ونصف، اعتُقل زميلنا ومؤسس جريدة «أخبار اليوم»، توفيق بوعشرين، بالطريقة والتفاصيل التي يعلمها الجميع. بين مداهمة وتحقيق وتقديم ومحاكمة، وجد هذا العبد الضعيف نفسه مدعوا إلى تحمّل مسؤولية إدارة نشر هذه الجريدة، في وقت كان الاعتقاد السائد، والأقرب إلى اليقين، هو أن لحظة إعدام «أخبار اليوم» باتت مسألة أسابيع، إن لم تكن أياما.

بين لحظة «الدوخة» التي أصابتنا جميعا إثر التغييب المفاجئ لمؤسس ومالك ومدير الجريدة، والشروع في تقبّل فكرة أن الأمر لا يتعلّق بمرحلة عابرة بل بوضع سيطول أمده، كان من بين أول ما فكّرنا فيه هو محاولة تعزيز «مطبخ» الجريدة بعد الهزة التي ضربته، وتوفير الحد الأدنى من الأعين المهنية التي تتولى مهمة فلترة ومراجعة وتنقيح المواضيع والمواد… فكان من بين الأسماء التي طُرحت اسم سليمان الريسوني، خاصة أنه كان أحد كتاب أعمدة الرأي في الجريدة، وبالتالي، فهو ليس غريبا عن أسرتها وخطها التحريري.

تولى بعض الزملاء مهمة مفاتحة سليمان بهذا الخصوص، وبعد فترة من التفكير والتردد من جانبه، اتفقنا على أن يكون التحاقه مؤقتا ومرتبطا بالمساعدة في تدبير مرحلة الاضطراب الداخلي الذي عاشته المؤسسة. قدّم بعض الذين قبلوا لعب دور المعول في يد من يحاولون هدم هذه المؤسسة التحاق سليمان الريسوني بالجريدة كنوع من «السطو»، وربطوا ذلك بموقفه المبدئي والصريح من اعتقال وتغييب زميلنا توفيق بوعشرين، فيما الحقيقة أن سليمان التحق بصفوفنا مكلفا بالدرجة الأولى بمهمة الإشراف على قسم الحوارات والتحقيقات الكبرى، ارتأينا وقتها أنه أفضل ما ينبغي علينا تقديمه للقارئ، تعويضا له عن افتتاحية بوعشرين التحليلية.

بمرور الوقت، وجدنا جميعا أنفسنا في معركة لا تهدأ إلا لتتجدد، وعبر جبهات مختلفة، ما جعل موارد وقدرات الجريدة تتراجع، واضطرنا إلى تقاسم أعباء مسؤولية التحرير بالشكل الذي يضمن السير العادي للجريدة دون تحميلها أعباء مادية جديدة، ليجد سليمان نفسه مضطرا إلى المكوث إلى جانبي في مهمة تنسيق المسؤوليات التحريرية، وتحوّل المؤقت إلى دائم، لنقترح عليه بشكل رسمي تولي مهمة رئاسة التحرير، مادام يؤدي جزءا كبيرا منها، وكذلك كان.

منذ أيامه الأولى ضمن أسرة «أخبار اليوم»، أواسط العام 2018، علمنا أن الأمر يتعلّق بصحافي مستهدف بشكل دائم ومستمر. كان هو نفسه يؤكد مرارا أنه مهدد بالاعتقال، وأن المتضايقين من آرائه وكتاباته ينوون سلك درب التهم الجنسية معه. انتهينا جميعا داخل «أخبار اليوم» إلى تجاهل التهديدات و«التطبيع» معها، بسبب توالي محاولات الإضعاف والتشويه والوصم والتحريض، والتي مورست ضدنا بجميع الوسائل. قرّرنا، عن وعي أو تحت الضغط، عدم الالتفات إلى كل ذلك والتركيز على القيام بمهمتنا الأصلية، وهي الإخبار والتعليق بكل ما نستطيع من مهنية وتوازن وتنوّع، وترك الحكم للقارئ والرأي العام والتاريخ.

يتهم بعض الذين يسترخصون أنفسهم ويحنشون الأكاذيب تحت الطلب، سليمان الريسوني بالالتحاق بـ«جريدة بوعشرين» للدفاع عن قضيته مقابل المال، لكنّهم لم يحضروا لحظة واحدة من تلك اللحظات التي كان يمرّ علي فيها صباحا لنناقش آخر المستجدات وما يتطلبه العدد من تخطيط وتكليفات، ونعرّج على موضوع زميلنا المعتقل، توفيق بوعشرين، فيفاجئني بانهمار دموعه حين يتعلّق الأمر بلحظة انسداد في الأفق وغياب الأمل.

وأنا أحاول إدارة دفة هذه الجريدة فوق أمواج متلاطمة، وجدت في سليمان الريسوني السند والمعين، يطمئن عند الوجل، ويحفّز عند اليأس، ويمسك بخيط الأمل والاستمرار حين يوشك اليأس على التطويح بي من فوق السفينة، ويمنعني من الانفجار في لحظات الغضب. قبل أن ينتهي صيف السنة الماضية، تلقّينا ضربة الاعتقال الغريب لزميلتنا هاجر الريسوني، وكم كان حجم الشعور بالذنب كبيرا فوق كتفي عمّها وزميلها سليمان. تحرّكت آلة التشويه والتضليل والإعدام الرمزي ضد الصحافية وأسرتها وزملائها، وفي الوقت الذي سارع هذا الوحش، الآخذ في التهام الأبرياء تباعا، إلى اتهام سليمان باقتياد هذه الجريدة إلى مناصرة ابنة أخيه، لا يمكنني اليوم أن أخفي اليوم شهادة أن الرجل وهو يعلم باعتقال زميلتنا لم يخبرني كما لم يخبر أحدا داخل الجريدة، لأكتشف الأمر عبر مصدر آخر. وطيلة ثلاثة أيام من التزامنا الصمت في انتظار معرفة قرار المتابعة من عدمه، لم ينبس الرجل ببنت شفة، وحتى قرار خروجنا بالموقف الذي تمليه علينا أخلاقيات مهنتنا، لم يكن له فيه يد ولا أصبع، إلا بقدر ما خطّه من رأي في مقالاته الموقعة باسمه، متخذا مسافة من قاعة التحرير بعد حصوله على عطلة.

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق