خوف السلطة وسلطة الخوف

 بقلم: توفيق بوعشرين

الخوف نوعان؛ الأول صحي، ويدفع الإنسان إلى الاحتياط أكثر تجاه المخاطر لتأمين سلامته (الخوف من حوادث السير هو الذي يدفع السائق إلى احترام قانون السلامة في الطريق مثلا)، أما النوع الثاني من الخوف فهو سلبي، وحتى مرضي، يجعل الإنسان يسكت عن الخطأ أو الظلم أو الفساد أو الاستبداد، خوفا على السلامة الشخصية أو المصالح أو الامتيازات التي بحوزته.هذا النوع من الخوف لا يظهر دائما بالعين المجردة، بل يختبئ تحت غطاء التبريرات السياسية والنفسية والاجتماعية التي يقدمها «الجبان للهروب من قول الحقيقة»، لهذا قال مرة المثقف الفلسطيني الأمريكي الكبير إدوارد سعيد، في محاضرة له على إذاعة bbc: «وظيفة المثقف اليوم أن يقول الحقيقة للسلطة، وأن يتجاوز خوفه وطمعه وتردده أمامها، أكانت سلطة سياسية أو مالية أو اجتماعية أو دينية».

كم من مغربي اليوم، وسط النخبة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية، يقول الحقيقة للسلطة، ويتكلم بلسان حي لا خشب في لغته، ولا نفاق في نبرته، ولا تبرير في متنه؟ لا أعرف عدد هذه الأغلبية الصامتة بالضبط، لكن أظن أن الأغلبية الساحقة من النخب تختار أن تبلع لسانها أمام مختلف السُلط، وتختار الخوف عقيدة سياسية لها. هناك استثناءات، لكن القاعدة تبقى قاعدة، وهي تتسع اليوم أكثر وسط النخب، وتضيق أكثر لدى الشباب الذي أصبح يعبر عن آرائه بلا تحفظ، ودون حسابات ضيقة في عالم التواصل الاجتماعي على الشبكة السحرية «النيت».

يحكي الأمير مولاي هشام، في «مذكرات أمير منبوذ»، عن درجة الخوف التي كانت تنتاب المحيطين بالملك الراحل الحسن الثاني، وعن المدى الذي وصل إليه التملق من بطانة الحاكم، فيقول: «كان الحسن الثاني يحب مشاهدة الأفلام في جو عائلي بالقصر الملكي بالرباط، وفي إحدى المرات، بينما كان عامل السينما يركب الأجهزة لإطلاق العرض في صالة السينما بالقصر الملكي بالرباط، سأل الملك الحسن الثاني: ‘‘ما هو عنوان الفيلم الذي سنشاهده هذا المساء؟’’، فرد الموظف البسيط بدون تردد: ‘‘عنوان الفيلم يا سيدي هو الرصاصة الأخيرة من نصيبي’’. بعدما انطلق العرض -يقول مولاي هشام- قرأنا جميعا عنوانا آخر في بداية الشريط السينمائي وكان هو: ‘‘الرصاصة الأخيرة من نصيبك’’». لم يجرؤ العامل البسيط على الإفصاح عن عنوان فيلم أمريكي أمام سيده، وخشي غضب مولاه إن ذكر أمامه أن العنوان الحقيقي للفيلم هو «الرصاصة الأخيرة من نصيبك». ضحك الجميع من خوف الموظف لكن الملك الراحل استحسن هذه اللباقة من أحد رعاياه، وهي في الحقيقة ثقافة الخوف والاستعداد لتغيير الواقع لكي يبقى السيد مرتاحا والملك مطمئنا والسلطة راضية.

هذه القصة، على طرافتها، تكشف الجو العام الذي كان سائدا في البيت الأول للحكم في المملكة. حكى لي المستشار الملكي الراحل، عبد الهادي بوطالب، أن المحيطين بالملك الراحل لم يكن جلهم قادرا على قول رأيه بصراحة في الأوضاع القائمة أمام الملك، وأولهم إدريس البصري الذي كان أكبر متملق في مملكة الحسن الثاني، حتى سادت أجواء في البلاط تقول كل صباح: «إذا كان لديك خبر سيئ فلا تقله لسيدنا لأن مزاجه اليوم رائق، ولا يجوز أن تفسد عليه أجواء الانتعاش، وإذا كان لديك خبر جيد فلا تقله اليوم لأن مزاج سيدنا سيئ، ولا يحتمل منك قول أي شيء»، وفي النهاية أصبح السكوت هو الحل. النتيجة كانت، إذن، هي عزلة الملك، وهذا بالضبط ما كان يشعر به الحسن الثاني، الذي كان يحيط به كثيرون في القصر وخارج القصر.

القريبون كانوا يخافون، وأغلب المبعدين كانوا مرعوبين، وحده الشعب ومصالحه كانا يدفعان ثمن هذا الخوف غاليا.

في العصور الغابرة كان الناس يلجؤون إلى تقنية تقليدية لقول ما يغضب الحكام.. كانوا يطلبون الأمان قبل أن يفتحوا أفواههم، وبعد الحصول عليه، يقولون ما يعتقدونه لصاحب الأمر والنهي، ومن جهتهم، كان السلاطين وأمراء المؤمنين وحكام الولايات يتخفون في لباس تنكري لينزلوا إلى الشعب ليسمعوا الحقيقة التي لا تصل إلى القصور، ولا تخترق أسوار الحصون، لكن اليوم حتى هذه الوسائل التقليدية لم تعد تخترق جدار الصمت في جل قصور الحكم في العالم الثالث، وأصبحت الحقائق محجوبة عن الحاكم، لا صحافة تصله، ولا استطلاعات الرأي تقترب منه، ولا وجهات نظر المعارضين تعترض طريقه، ولا كلام المثقفين والعلماء والسياسيين من غير أهل البلاط يوضع أمامه، فصار القرار قرار من يصل أولا إلى أذن الحاكم، والسلطة سلطة من يستأثر بالقرب منه، والتأثير تأثير من يوجد في الدائرة الضيقة… فن الحكم هو فن الاستماع، وفن تعدد الأصوات في رحاب الســلطة. قال أوســــــــكار وايلد (1900/Oscar Wild 1854) الشاعر والمسرحي البريطاني الشهير مرة: «عندما أشعر بأن كل المحيطين بي لديهم الرأي نفسه الذي أعتقده أكون متأكدا أنني على خطأ».

 نشر بتاريخ 01/03/2016

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق