المحظوظون في بلاد العم زهراش

«دبا حنا أمام امتحان حقيقي، واش حنا مغاربة أو غا نتوجهو لقوارب الموت.. نحن مواطنون من الدرجة الثانية حكرو علينا وعلى واليدينا..»، هذه العبارة التي قال فيها صاحبها كل شيء، تَلَفَّظَ بها وبكل حرقة أحد الطلبة المُرسبين في امتحان الأهلية لولوج مهنة المحاماة التي تعرضت هي الأخرى في هذا البلد الأمين، للتدنيس من طرف محامين أعيان، وأحد أبنائها وزير العدل والحريات. 

هذه العبارة التي ستصبح صالحة لكل زمان ومكان في مغرب اليوم؛ مغرب المحاباة والمحسوبية ومن تكون تأخذ أكثر.

طبعا، معظمنا تابع حرب التسريبات التي دارت هذه الأيام بين ضابطة الأمن السابقة وهيبة خرشش، ومثلي ذو ميولات جنسية يلقب ب «نور زينو» والذي هدد جريدة الحياة اليومية مِرارا بالمتابعة، لأنها فقط قالت ونشرت الحقيقة ونقلت وثيقة نشرها للعموم رفقة محاميه أو لا ندري من يكون، في شريط فيديو نشره عبر قناته، نشرنا مقطعا منه.

شخصيا، لم أكن ممن شاهد هذه التسريبات لأن لي كصحفية، قصة مع عناصر من «قوم لوط» سأرويها فيما بعد، جعلتني أشمئز من مثل هذه الكائنات. فعلا لم أكن ممن استمع للتسريبات إلا بعد انتشار ضجيج تدوينات تتحدث عن «مول البياس»، و«البْيَاسْ» هي كلمة مغربية دارجة مرادفها في اللغة العربية قِطع الغيار.. رجعت إلى التسريبات ووجدت ما وجدت.

أغلب من تابع، قال بأن خرجة وهيبة خرشش كانت أقوى وفيها ما فيها من حِس أمْنِي عكس خرجة «نور زينو» الذي كان يرقص رقصة الديك المذبوح وهو ينشر تسجيلات صوتية خاصة عبارة عن اتصالات جد عادية، قال بأنها تعود لوهيبة خرشش التي لم تؤكدها أو تنفِها لحدود الساعة، في الوقت الذي أكد هو بأن التسجيلات المنسوبة إليه تعود له فعلا. وبما أن الجهتين معا تتوجهان بهذه التسريبات إلى فئة ذكية فإن هذه الفئة لا تحتاج إلى من يوجهها كل ما تحتاجه هو تجميع «البْيَاسْ» المفقود في هذه القضية.

بين تسجيلات وهيبة وتسجيلات «نور زينو» ظهر فيديو آخر على منصة اليوتوب؛ شريط فيديو لشخص يرتدي قميصا أسود اللون، قَصَّة شعره غريبة شيئا ما كعُرْفِ الديك أشقر اللون، عيناه جاحضتان بهما كحل، وحاجبان مصففان بعناية فائقة لإظهار الطابع الأنثوي، وكلام ساقط،،، هذا الشخص طبعا هو بطل الحكاية كلها «نور زينو».

«نور زينو» هذا بدا غاضبا في شريط الفيديو الذي كان عبارة عن مقتطف من بث مباشر يعود له، يسب الدين والمِلة ويسب المغرب والمغاربة مَلِكا وشعبا، ويصفهم بأقدح النعوت وأذم الصفات؛ قال ما لم يقله جرير في الفرزدق مع حفظ المقامات هنا، ولولا المَلامَة لنشرناه أيضا.

مشاهدة الفيديو ستجعل أيا كان يتساءل عمن يكون هذا الشخص؟ وعن هذه الحُظْوَة التي يتمتع بها من طرف أصحاب القرار، خاصة أنه أرغد وأزبد وقال في المغاربة وملكم ما لم يقله أحد، دون حسيب ولا رقيب مكتفيا بطلب السماح، علما أن شخصا آخر قال أقل ما قاله «نور زينو» وهو محمد السكاكي الملقب بمول الكاسكيطة، قد حوكم واقتيد إلى السجن رغم تقديمه اعتذارا شفويا من الشعب المغربي ومن الملك في جلسة عمومية بمحكمة سطات، تاركا وراءه زوجة حاملا آنذاك، وأبناء صغارا دون معيل، فما رأي النيابة العامة؟ ولماذا لم نسمع إلى حدود الساعة عن تحريك مسطرة البحث في حق «نور زينو» أو اعتقاله، علما أنه دخل المغرب وتلقى معاملة VIP فوق التراب الوطني، وعاد أدراجه من جديد إلى إسبانيا؟

اسم مول الكاسطية يذكرنا كذلك، بالبحث الذي فتحه في حقه نفس جهاز النيابة العامة حيث تم اعتقاله يوم 01 دجنبر 2019. وقتها نشر موقع لوديسك مقالا عن بلاغ وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بسطات ورد فيه ما يلي: ((جاء في بلاغ لوكيل الملك أنه على إثر نشر فيديو بموقع التواصل الاجتماعي يوتوب بتاريخ 29 نونبر 2019 بإحدى القنوات تحمل اسم مول الكاسكيطة، تضمن عبارات فيها سب للمواطنين المغاربة ووصفهم بأوصاف مهينة لهم وحاطة من كراماتهم وتمس بمؤسساتهم الدستورية، تم إيقاف المعني بالأمر ووضعه رهن تدبير الحراسة النظرية لضرورة البحث)).

بعدها ارتأت النيابة العامة إحالة الملف على الجلسة، حيث سيحاكم السكاكي من أجل تهمة إهانة الملك، وستصدر محكمة سطات يوم الخميس 26 دجنبر 2019 حكما بالسجن أربع سنوات، قبل أن يتم رفع العقوبة إلى خمس سنوات في المرحلة الاستئنافية، فاعتذار السكاكي لم يجدِ هذه المرة؛ لقد اعتقل وتوبع وحُكم بمقتضيات الفصل 179 من قانون المسطرة الجنائية الذي ينص على ((العقوبة بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وبغرامة تصل إلى ألف درهم لكل من ارتكب إهانة موجّهة إلى شخص الملك أو إلى شخص ولي العهد، ومن ارتكب إهانة موجّهة إلى أعضاء الأسرة الملكية)).

وهو الفصل نفسه الذي سَيُدان به محمد بودوح الملقب بمول الحانوت الذي اعتقل في يوم الثلاثاء 03 دجنبر 2019 بعد مسطرة بحث حركتها النيابة العامة بالخميسات. 

يومها نشر أحد أقارب مول الحانوت تدوينة بموقع الفايسبوك قال فيها بأن ((مجموعة من رجال الأمن بزي مدني حاصرت منزل بودوح بمدينة الخميسات، في حوالي الساعة التاسعة من صبيحة يوم الثلاثاء..، وقد صادروا هواتف كل أفراد العائلة، في الوقت الذي كان فيه المعني بالأمر يقضي بعض الأغراض بمدينة تيفلت، قبل أن يتم اعتقاله بنفس المدينة)). وتابع قائلا بأن ((الجميع يجهل الوجهة الذي تم اقتياد مول الحانوت إليها، ووعد بنشر أي تفاصيل جديدة يتم التوصل إليها)).

بعدها تناسلت الأخبار بكون مول الحانوت قد أحيل على المحاكمة، وأدين بالحبس ثلاثة أعوام، بتهم كثيرة منها المس بالمؤسسات الدستورية بسبب أشرطة تتضمن اتهامات وانتقادات حادة للسلطات المغربية ولملك البلاد.

وفي ملف الصحفي عمر الراضي، كتب موقع العربي الجديد بأن ((الصحفي عمر الراضي انتقل في يوم الخميس 27 دجنبر 2019 إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، بناء على استدعاء توصل به بداية هذا الأسبوع. وبعدما أعلن الراضي خبر استدعائه واعتزامه الامتثال. ساد الاعتقاد أن الأمر يتعلّق بإجراء روتيني لاستكمال أو إغلاق التحقيق الذي جرى مع الراضي شهر أبريل الماضي، بسبب تغريدات نشرها عبر حسابه في تويتر، انتقد فيها الأحكام الصادرة ضد نشطاء حراك الريف التي وصلت إلى 20 سنة سجنا)).

يضيف ذات المصدر بأنه ((مباشرة بعد مثوله أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية صباح الخميس، نقل إلى مقر المحكمة الابتدائية بمدينة الدار البيضاء، حيث عُرض على أنظار وكيل للملك.. بعدما قرّر وكيل الملك توجيه الاتهام إليه بالإساءة لقاض وعرضه على جلسة محاكمة فورية، وقد تم الاحتفاظ بعمر الراضي داخل المحكمة إلى حين انطلاقها.. تبيّن للمحامين والحقوقيين والإعلاميين الذين انتقلوا إلى مقر المحكمة لمتابعة تطوّر الأحداث أن عمر الراضي يخضع للمحاكمة في حالة اعتقال.. ورغم طلب السراح إلا هيئة المحكمة فاجأت الدفاع برفضه، ليصبح الراضي سجيناً بسبب تغريدة انتقد فيها بوجه خاص رئيس هيئة الحكم التي بتت في ملف معتقلي حراك الريف)).

ملف الصحفي سليمان الريسوني لم يكن مختلفا كثيرا عن سابقيه، فقد اعتقل هو الآخر في يوم 22 ماي 2020 من أجل تدوينة مجهولة تحرك على إثرها بحث النيابة العامة، حيث تم الإبقاء على الريسوني داخل السجن بناء على تصريحات ضَحَدَهَا، ورُفِضَ الإفراج عنه. 

مَيْزُ النيابة العامة كان واضحا جدا أيضا، في ملف الحقوقي والمدون يوسف الحيرش الذي يواجه التناقض في واقعتين مختلفين؛ فالنيابة العامة في القنيطرة التي حركت مسطرة البحث معه من أجل تدوينة منشورة بموقع الفايسبوك، وبشكل تلقائي، لم تحرك ساكنا أثناء تعرضه يوم الأحد 09 ماي 2022 للتصفية الجسدية ولاعتداء شنيع على مستوى الرأس والعنق بواسطة أداة حادة/سيف، أصيب على إثره بجرح غائر على مستوى الرأس تطلب رَتْقُهُ 18 غُرْزَة، كما أصيب برضوض متفاوتة الخطورة في مختلف أنحاد جسده، وإلى يومنا هذا لم نسمع جديدا عن هؤلاء القتلة.

هذه الملفات وأخرى غيض من فَيْضٍ، تطرح أكثر من سؤال عما إذا كان هؤلاء ليسوا بمغاربة؟ ألا ينتسبون لهذا الوطن؟ ألا تحكمهم نفس المؤسسات التي يحتكم إليها ذاك المثلي؟ ألم يكن جديرا بالنيابة العامة التي حركت مسطرة البحث ضد المسماة وهيبة خرشش، بناء على تسجيلات صوتية خاصة (لم تؤكدها كما لم َتْنفِها)، أن تحرك المسطرة العمومية ضد المسمى «نور زينو» في الرباط أو مكناس المدينة التي كان يقطن بها قبل مغادرته التراب الوطني، لاتخاذ المتعين حال دخوله المغرب، أليس نفس المنطق يحرك النيابة العامة؛ هذه النيابة العامة التي شاهدت فيديوهات بودوح وتغريدة الصحفي الراضي وتدوينة المدون الحيرش وتدوينة مجهولة في قضية الصحفي الريسوني، ولم تشاهد فيديوهات المثلي «نور زينو» الماسة بالشعور الجمعي للمغاربة وبالمؤسسات التي أصبحت وسيلة للتَّمَسُّحِ، وقَلَّلَت الاحترام المفروض تجاه الملك.

هذا من جهة، من جهة أخرى إن فتح بحث يتطلب الاستماع للمشتكي الذي هو في قضية وهيبة خرشش، المثلي «نور زينو» الموجود حاليا في مالغا الإسبانية، فإذن كيف سيتم استقدامه إلى المغرب للاستماع إليه في شكايته؟ وهل سيتم القبض عليه كما تم القبض على معظم الموجودين حاليا في السجن؟ أم أن النيابة العامة لها منطق خاص مع أمثال هؤلاء؟ وهل سيعامل «نور زينو» معاملة خاصة كتلك التي عُومِل بها أثناء دخوله المغرب قبل ثلاث أسابيع، لأول مرة بعد اقترافه لنفس الجرائم تقريبا، التي دخل على إثرها صحفيون ونشطاء للسجن، (معاملة خاصة) تُوِّجَت بندوة صحفية حضرتها معظم المنابر الإعلامية الموالية للسلطة، وجه خلالها الاتهامات يمينا وشمالا، ألم يكن المحامي عبد الفتاح زهراش قد شاهد فيديوهات موكله قبل دخوله المغرب؟ بل وكيف دخل هذا الموكل إلى المغرب، وهو الذي كان يفترض أن يعتقل ويتابع بنفس مقتضيات الفصل 179 الذي توبع بها السكاكي وبودوح وغيرهم؟

هي سياسة الكيل بمكيالين إذن ينهجها جهاز النيابة العامة، الذي بدل أن يوحد المغاربة يفرقهم وينفرهم من عدالة بلدهم.

هذه السياسة التي تجعل كل مغربي مغربي يتساءل عن مصيره ومصير الملايين من أبناء هذا الوطن الذي استحوذ عليه حَفْنَة من المسؤولين المقدسين فوق الأرض، يقررون مصير الكل ويقيدون حريات من أزعجهم بجرة قلم، ويمنحون الحظوة لمن راق مزاجهم.

أضف تعليق

لبنى الفلاح

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

x
إغلاق