العُسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني وسؤال الإثبات

يوسف قجاج*

يعتبر العسر واقعة مادية تتأسس على عدم قدرة المدين على الوفاء بديونه المستحقة الأداء، كما يعتبر في أغلب الأحوال مانعا قانونيا يحول دون إعمال بعض المقتضيات القانونية وخاصة تلك المرتبطة بأحكام الإجبار على التنفيذ، ومن ذلك الإكراه البدني سواء في الديون العمومية أو الديون الخصوصية.

ولما كان العسر هو مجرد استثناء من أصل ملاءة الذمة، فإنه لا يفترض ويتوجب على من يدعي كونه معسرا أن يثبت ذلك، وهذا هو التوجه الذي أقرته محكمة النقض فيما يخص الإكراه البدني، حيث أكدت على أن عدم القدرة على الوفاء غير مفترضة وأنه على المدين إثبات ذلك -قرار عدد 1404 بتاريخ 20/09/2000 في الملف التجاري عدد 372/2000-، لذلك فإن مسألة إثبات العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني عرفت إختلافا بين المهتمين بالشأن القانوني وأفرزت إتجاهات مختلفة تباينت مواقفها حول مدى إمكانية إثبات العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني بجميع وسائل الإثبات، إذ ينادي البعض بمبدأ الإثبات الحر وبتوسيع دائرة إثبات العسر و تعديل مقتضيات المادتين 635 من قانون المسطرة الجنائية و57 من مدونة تحصيل الديون العمومية وجعل واقعة العسر تثبت بجميع الوسائل، في حين يعتبر البعض الأخر أن ما أقرته المادتين المذكورتين من وسائل كافية وأنها أثبت نجاعتها من الناحيتين الواقعية والعملية، لذلك فالإشكال المركزي يتمحور حول مدى كفاية و نجاعة وسائل الإثبات الحالية في إثبات العسر المجنب لتنفيذ الإكراه البدني-الإثبات المقيد- ؟، أم أن الأمر يحتاج إلى توسيع دائرة إثبات العسر في إطار إثبات حر غير مقيد؟

 وقبل مناقشة هذا الإشكال المركزي وما ترتب عنه من إختلاف بين المهتمين بالشأن القانوني، سيكون لزاما علينا الوقوف قبل ذلك عند الوسائل المحددة قانونا لإثبات العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني في القانون المغربي وبعض القوانين المقارنة.

  • إثبات العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني في ظل القانون المغربي

بإعتبار العسر مانعا قانونيا يترتب عنه تعطيل تنفيذ مسطرة الإكراه البدني في مواجهة المطلوب تنفيذ الإكراه في حقه، فإن المشرع قيد إثباته بوسائل محددة:

– شهادتي العوز و عدم الخضوع للضريبة: تنص الفقرة الأخيرة من المادة 635 من قانون المسطرة الجنائية على أنه “غير أنه لا يمكن تنفيذ الإكراه البدني، على المحكوم عليه الذي يدلي لإثبات عسره بشهادة عوز يسلمها له الوالي أو العامل أو من ينوب عنه وبشهادة عدم الخضوع للضريبة تسلمها مصلحة الضرائب بموطن المحكوم عليه “، و يتضح من ذلك أن المشرع استلزم لتعطيل تنفيذ مسطرة الإكراه البدني في حق المدين المعسر أن يدلى بشهادتي العوز و عدم الخضوع للضريبة ، ولا تغني إحدى الوثيقتين عن الأخرى كما لا تقوم أي وسيلة أخرى – غير ما ذكر- مقامهما في إثبات العسر، و لا يعتبر ما دونهما وسيلة مثبتة للعسر ولا أثر له على تطبيق مسطرة الإكراه البدني_ وهو نفس التوجه الذي أكدته محكمة النقض من خلال قرارها عدد 1286 بتاريخ 24/11/2004 في الملف التجاري عدد 53/3/1/04 واعتبرت أن محضر عدم وجود ما يحجز لا يثبت عدم القدرة على الوفاء وإنما يشير فقط إلى أن العون لم تقع يده على ما يمكن حجزه، وبذلك فهو لا يعفيه من إكراهه بدنيا عملا بأحكام المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية_ ، هذا من جهة  ومن جهة أخرى فإنه لا يعتد بالشهادة إذا لم تكن مسلمة من الجهة التي عينها المشرع.

– شهادة العوز أو محضر بعدم وجود ما يحجز: فيما يخص إثبات العسر في ميدان تحصيل الديون العمومية، والذي يعتبر كذلك  مانعا من تطبيق الإكراه البدني طبقا لأحكام المادة 77 من مدونة تحصيل الديون العمومية، وهكذا فقد ورد في المادة 57 من مدونة تحصيل الديون العمومية على أنه يثبت عسر المدينين:

– إما بمحضر عدم وجود ما يحجز كما نصت عليه المادة 56 أعلاه بالنسبة للمدينين المعروفين بقدرتهم على الوفاء والذين لم يفض الحجز الذي أجري عليهم إلى أي نتيجة.

– وإما بشهادة العوز المسلمة من طرف السلطة الإدارية المحلية بالنسبة للمدينين المعروفين بعسرهم. وعلى خلاف ما ورد في المادة 635 من قانون المسطرة الجنائية فإن وجود إحدى الوثيقتين كاف لإثبات العسر في ميدان تحصيل الديون العمومية، كما يلاحظ كذلك بأن المشرع في إطار مدونة تحصيل الديون العمومية لم يحدد بدقة الجهة المكلفة بتسليم شهادة العوز، عكس ما جاء في المادة 635 من قانون المسطرة الجنائية، لذلك فإنه يكفي لتعتبر صحيحة أن تكون صادرة عن السلطة الإدارية المحلية.

وهكذا يتضح إذن بأن إثبات العسر يرتبط بمبدأ الإثبات المقيد ، حيث حدد المشرع على سبيل الحصر وسائل إثبات العسر، كما أن عبء إثباته يقع على عاتق الشخص المطلوب إكراهه، وفي هذا الصدد جاء في قرارين صادرين عن محكمة النقض الأول عدد 1404 بتاريخ 20/09/2000 في الملف التجاري عدد 372/2000 والذي جاء فيه ” ….. أن عدم قدرة المدين على الوفاء إلتزامه التعاقدي لا يفترض بل يقع على عاتقه عبء إثباته، الأمر الذي لم يقم به في هذه النازلة … ” والثاني عدد 987 بتاريخ 05/10/2005 في الملف التجاري عدد 387/3/1/2005، ” لكن حيث إن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما تبين لها عدم إدلاء الطاعنة بأية حجة تثبت عدم قدرتها عن الوفاء ردت وعن صواب دفوعها بأن « الطاعنة لا يمكن لها الاستفادة من مقتضيات المعاهدة الدولية لحقوق الإنسان المؤرخة في 12/12/1966 المصادق عليها بتاريخ 08/11/1978، إلا في حالة ما إذا أثبتت عدم قدرتها على تنفيذ التزامها التعاقدي » ، مما يكون معه قرارها مرتكزا على أساس قانوني وما ورد بالوسيلة على غير أساس”.

جذير بالذكر أن مقتضيات المادة 635 المحددة لوسائل إثبات العسر في ظل مشروع قانون المسطرة الجنائية لم يطلها أي تغيير أو تعديل، وأن واضعي المشروع احتفظوا بنفس وسائل الإثبات المنصوص عليها في ظل نفس المادة من قانون المسطرة الجنائية الحالي.

  • إثبات العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني في ظل بعض القوانين المقارنة

أعطى المشرع الفرنسي من خلال المادة 752  من قانون المسطرة الجنائية للمحكوم عليه إمكانية إثبات عسره بجميع الوسائل ، بعد التعديل المدخل على نص نفس المادة بموجب القانون رقم 2004-204 بتاريخ 09 مارس 2004 والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 01 يناير 2005 والتي كانت تنص على إثبات العسر بشهادة الإعفاء الضريبي التي يقدمها قابض الضرائب لمحل إقامة الشخص المعني وشهادة رئيس المجلس البلدي أو عميد الشرطة لمحل إقامته، وإن كان هذا التعديل لم يسلم من الإختلاف حول تطبيقه و حول تحديد الوسائل المبررة لعسر المحكوم عليه و مدى كفايتها، وفي هذا الصدد إعتبرت محكمة النقض الفرنسية من خلال القرار الصادر عن الغرفة الجنائية بها عدد 10-294.84 بتاريخ 4 ماي 2011 بأن “التصريح بالإعفاء الضريبي ليس وسيلة كافية تبرر عسر المحكوم عليه من جهة، ومن جهة ثانية يجب الأخذ بعين الاعتبار جميع موارده المالية التي كان يحوزها وقت القبض عليه أو إدانته”، كما قضت نفس المحكمة بتاريخ 21 شتنبر 2016 في قرارها عدد 15-657.83 بنقض وإبطال القرار  الصادر عن غرفة تطبيق العقوبات بمحكمة الإستئناف برانس حيث إعتبرت هذه الأخيرة في قرارها أن ما أدلى به المطلوب في الإكراه من شهادة تثبت تسجيله ضمن الباحثين عن العمل واستفادته من التعويضات التضامنية التي تمنحها الدولة للأشخاص الذين لا يتوفرون على موارد لا يكفي لإبراز حالة العسر في غياب الوثائق المتعلقة بالوضعية المالية للشركة التجارية التي كان يتولى تسييرها خلال إدانته وبما يثبت بحثه عن العمل منذ توقفه عن ممارسة أعماله، واعتبرت محكمة النقض أن غرفة تطبيق العقوبات لم تعلل قرارها، وأنه وبالنظر إلى تحديد هذه الأسباب وحدها دون إجراء بحث فيما إذا كان المطلوب إكراه في وضعية عسر لحظة النطق بتدبير الإكراه البدني.

وعلى غرار نظيره الفرنسي نحى المشرع الجزائري نفس نحو هذا الأخير وقام بتعديل مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 603 من قانون الإجراءات الجزائية بموجب القانون رقم 06/18 بتاريخ 10 يونيو 2018 حيث أصبحت تنص على إيقاف تنفيذ الإكراه البدني لصالح المحكوم عليه الذي يثبت لدى النيابة بأي وسيلة عسره المالي، بدل ما كانت تنص عليه نفس المادة قبل التعديل على أن تنفيذ الإكراه البدني يوقف لصالح المحكوم عليهم الذي يثبتون لدى النيابة عسرهم المالي بأن يقدموا خصيصا لذلك شهادة فقر يسلمها رئيس المجلس الشعبي البلدي أو شهادة الإعفاء من الضريبة يسلمها لهم مأمور الضرائب بالبلدة التي يقيمون فيها.

وهكذا يتضح إذن بأن إثبات العسر في كل من فرنسا والجرائر يرتبط بمبدأ الإثبات الحر، حيث يتبين من خلال التوجه الذي تبناه المشرعين الفرنسي والجزائري أنهما لم يقيدا ولم يحددا وسائل إثبات العسر.

 

  • الرأي و الرأي الأخر في إثبات العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني

 

يستند أصحاب الرأي القائل بجواز إثبات حالة العسر بكافة الوسائل إلى مجموعة من المبررات على إعتبار أنها واقعة مادية ومن المسائل المرتبطة بالذمة المالية للأشخاص والتي تتميز بعدم الإستقرار و تتغير تبعا لتوسـع أو انحصار النشاط المالي للشخص ، و بالتالي السماح للمدين بإثبات عسره بكافة وسائل الاثبات مع فسح المجال لدائنه أو للنيابة العامة بإثبات العكس، و جعل العسر يخضع لمبدأ الإثبات الحر و جواز إثباته بأية وسيلة من وسائل الإثبات كالأحكام القضائية و الكشوفات البنكية والخبرات الحسابية و اللفيف العدلي و الشواهد الإدارية وغيرها ، خصوصا و أن هناك وسائل تعتبر أكثر ثبوتية من الوسائل المحددة في المادتين 635 من قانون المسطرة الجنائية و 57 من مدونة تحصيل الديون العمومية  ، و أن سند المشرع في اعتماده على  الوسائل المذكورة في المادتين أعلاه على أساس أنها الأكثر استعمالا من الناحية العملية من طرف المعوزين أو ذوي الدخل المحدود الذي قد لا يكفي لتغطية كل الحاجيات الضرورية للحياة ،يصطدم بالواقع العملي و الذي يشهد أن كثيرا من الأشخاص رغم يسرهم يتواجدون في بعض الأوقات في حالة العجز عن الوفاء بديونهم أو بكافة ديونهم، وقد لا يفلحون في الحصول على شهادة العوز أو شهادة عدم الخضوع للضريبة ، و إستشهدوا في هذا الصدد بالحالة التي يكون فيها التاجر أو صاحب المقاولة أو الشريك في الشركة التجارية في وضعية التوقف عن الدفع-المواد من 575 إلى 585 من مدونة التجارة- ، و إعتبروا أن الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية له حجية في إثبات حالة العسر و أن مسطرة التسوية القضائية لا تتم إلا بعد دراسة أسباب التوقف عن الدفع ووضعية المقاولة الاقتصادية ومقارنة الأصول بالخصوم وتحقق العجز عن الأداء ، كما أن المحاكم لا تعتمد في حكمها على مجرد تصريحات رئيس المقاولة بل أنها تقوم بدراسة وافية للوثائق المرفقة بالطلب وتستعين بالخبرة إن اقتضى الحال ، و بالتالي فإن حجية الحكم القضائي تكون أكثر اعتبارا لاعتماده كوسيلة لإثبات العسر لتجنب الخضوع إلى مسطرة تنفيذ الإكراه البدني ، مع  تأكيدهم على فتح باب المنازعة للطرف الدائن و للنيابة العامة فيما أدلي به كإثبات للعسر و فسح المجال لهم لإثبات عكس ذلك، مع سن مقتضى قانوني في قانون المسطرة الجنائية يجرم واقعة إفتعال العسر في حالة ثبوتها على غرار ما نص عليه المشرع في مقتضيات المادة 84 من مدونة تحصيل الديون العمومية، ما لم يكن الفعل ذو وصف قانوني أشد.

في المقابل يرى أنصار الإبقاء على وسائل الإثبات المذكورة في المادتين 635 من قانون المسطرة الجنائية و 57 من مدونة تحصيل الديون العمومية ، على أنها تبقى كافية و تتميز بالموضوعية و تبرز الوضع الحقيقي للشخص المطلوب في الإكراه ، و أن المشرع عندما عهد لبعض الجهات بتسليم الوثائق المثبتة للعسر فذلك لأنها تتوفر على الوسائل المادية والبشرية والإطلاع الكافي على الأحوال بحكم طبيعة المهام الموكولة إليها ، مما يجعل إفادتها تتسم – إلى حد ما- بنوع من الموضوعية والمطابقة الفعلية لحقيقة الذمة المالية للأفراد موضوع البحث، ومن هذه الجهات السلطة المحلية ومصلحة الضرائب، ويبقى على عاتق المطلوب إكراهه إثبات عسره بالوسائل المحددة قانونا في نص المادتين أعلاه.

ختاما، ينبغي التأكيد على أن الغاية من فتح هذا الموضوع للنقاش مرتبطة بمناسبة عرض مشروع قانون المسطرة الجنائية على الجهات المعنية بالشأن القانوني و القضائي لإبداء وجهة النظر بخصوص مقتضياته ، و هي فرصة للتفكير في مدى إمكانية تعديل مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 635 من قانون المسطرة الجنائية الحالي على ضوء ما أثير بشأنها من ملاحظات تم بسطها أعلاه ، و على ضوء أيضا التوجه التشريعي المقارن الجديد بخصوص وسائل إثبات واقعة العسر المانع من تنفيذ الإكراه البدني ، و أن أي تعديل من عدمه لابد أن يستحضر المصالح المتعارضة لأطراف الإكراه البدني ، و نختم هذه الدراسة  بما جاء في كتاب تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام لإبن عاصم الغرناطي- باب في الرشد والأوصياء والحجر والوصية والإقرار والدين والفلس ، فصل في حكم المديان ، الصفحة 100-

مَنْ عليه الدَّيْنُ إما موسِرُ … فَمَطْلُهُ ظُلْمٌ ولا يُؤَخَّرُ

 أوْ مُعْسِرٌ قَضاؤُهُ إضْرارُ … فَيَنْبَغِي في شَأْنِهِ الإنْظَارُ

أَوِ مُعْدِمٌ وقَدْ أَبانَ مَعْذِرَهْ … فواجبٌ إنظارُهُ لميْسره

ومَنْ عَلَى الأَمْوالِ قد تَقَعَّدَا … فالضَّرْبُ والسِّجْنُ عليه سَرْمَدَا.

*باحث في العلوم الجنائية

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

x
إغلاق