الجزائر وماكرون ومصداقية تبون

بقلم: محمد باها المربط

لا زال تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول عدم وجود دولة اسمها الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي، مثار نقاش في الساحة الإعلامية بين فعاليات ثقافية وأساتذة مختصين في الأبحاث السياسية، وهو التصريح الذي يأتي بعد أن سبق للرئيس الجزائري أن قال غير ما مرة بأنه ــ أي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ــ رجل يتصف بـ”المصداقية”، وبأنه يتفهم جيدا العلاقات التي تربط بين الدولتين الجزائرية والفرنسية، وإذا كان هذا التوصيف الذي صدر عن الرئيس الجزائري في حق الرئيس ماكرون صحيحا، فلماذا غضب منه الآن الرئيس تبون والزمرة العسكرية الحاكمة في الجزائر، وذهب ببعض معلقيهم إلى حد اتهام المغرب بأنه هو الذي دفع بالرئيس الفرنسي إلى الإدلاء بهذا التصريح، مما يعني أن المغرب له من القوة السياسية ما يكفي لأن يدفع بالرئيس الفرنسي إلى الوقوف بهؤلاء الثرثارين أمام مرآة التاريخ، وأمام حقيقة لا يمكنهم إنكارها أو الفرار منها، بأن دولتهم قامت على أراض لم تكن (جزائرية) قبل الاحتلال العثماني ومن بعدها فرنسا التي كانت وراء تحديد حدودها الجغرافية بعد الاستقلال على حساب دول الجوار، سواء الجنوبية منها أو الشرقية أو الغربية.

ردود الفعل التي صدرت من طرف الزمرة الحاكمة في الجزائر بعد هذا التصريح وتلميحها إلى المغرب بالوقوف من ورائه، هو الخوف من أن تكشف فرنسا عن المنطقة الجغرافية التي كان يحتلها العثمانيون، الذين أسسوا أيالة لهم عليها، والتي لم تكن حدودها تمتد إلى ما هي عليه اليوم خريطة دولة الجزائر الحديثة، وتسقط أي ماض في تاريخها يمكنها من السيطرة على حاضرها والتحكم في مستقبلها.

وما هو جدير بالملاحظة، هو أن الرئيس الفرنسي، لم ينكر وجود الشعب الجزائري في منطقة المغرب الكبير، بل أنكر وجود دولة (جزائرية) مركزية تقوم على إقليم جغرافي محدد يخضع سكانها بكل إثنياتهم وثقافتهم وتقاليدهم اجتماعية لنظام واحد يتولى شؤون الدولة ويشرف على أنشطتها السياسية والاقتصادية والثقافية ويمضي الاتفاقيات والمعاهدات مع الدول ويسك العملات الوطنية.

فإلى أي حد يتماشى هذا التصريح مع حاضر الجزائر وحقيقتها التاريخية، التي ومنذ حصولها على الاستقلال وهي تتخبط في البحث عن هويتها (التي لم يخف عدد من المفكرين والباحثين الجزائريين سؤالها وقلقها) وعن شرعية تاريخية أو سياسية أو قانونية قبل الاحتلال العثماني والاستعمار الفرنسي، ترسم خريطة حدودها، وتبرز الدور الذي لعبته في منطقتها وفي شمال إفريقيا كدولة وليس كشعب، وفي تأثيرها على سياسة الدول الأخرى المجاورة لها كتونس وليبيا والمغرب ومالي الذي كان يعرف قبل الاستعمار الفرنسي بالسودان المغربي وصولا إلى النيجر، وما هي الآثار الثقافية والمعمارية التي تشهد لها بالوجود قبل الاحتلال العثماني، مرورا بالاستعمار الفرنسي، فحتى الدور الذي لعبه (قراصنتها) الأتراك في منطقة البحر الأبيض المتوسط  كان تحت راية “الدايات والبايات”، ولطول احتلالها من طرف الأتراك، كادت تفقد هويتها الإثنية نظرا لكثرة المواليد “الكراغلة” الذين خلفهم العثمانيون وراءهم.

وأمام هذه الحقيقة، فإننا لا نعرف عن أي دولة جزائرية يتكلم قادتها الرسميون، فماكرون وهو ينفي وجود دولة اسمها الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي، إنما يؤكد حقيقة تثبتها الوثائق التاريخية والسياسية، وقالها قبله الرئيس الفرنسي شارل ديغول وكل المؤرخين الفرنسيين الذين واكبوا تركيب دولة الجزائر الحديثة وإحداثها. فماكرون لم ينف أن المنطقة المسماة بالجزائر كان فيها شعب يعيش تحت رايات إمارات متعددة، خصوصا في مرحلة الفراغ التي خلفها الموحدون في الجزائر، والتي تشكل المحطة المزدهرة في تاريخ المغرب الكبير وعلاقاتهم الدبلوماسية مع عدد كبير من دول البحر المتوسط وبعض الدول الإفريقية، شملت مظاهر عديدة ومجالات مختلفة، بالإضافة إلى دور المغرب البحري، ما تزال أثارها العمرانية والثقافية شاهدة على ذلك في الجزائر نفسها، بالإضافة إلى الوثائق الدبلوماسية المتبادلة بين الدولة المغربية وإنجلترا، وهو ما يثبت شخصية المغرب القوية قبل أن يدخل في عصر الانكماش في عدد كبير من القضايا، ويكفي شهادة على ما كان عليه المغرب من قوة ما يسجله له التاريخ وعلى لسان وزير بريطاني كان يقيم في طنجة في أبريل من سنة 1886 بعث بها إلى وزير خارجية بلده وهو يقوم بتوصيف الشعب المغربي يقول فيها ” هذا الشعب الذي حمل أسلافه، بينما كانوا في إسبانيا، شعلة الفن والعلم، وهو كفء لأن يصبح أمة عظيمة”.

إن هاجس الخوف الذي يسكن القادة الجزائريين من المغرب، ينبع من كون المغرب، حافظ على هويته الأمازيغية والعربية والإسلامية، كما يسجل له التاريخ تواجده الثقافي والحضاري في كل من أوروبا وإفريقيا، وهو ما مكنه حاضرا من استعادة مكانته كدولة رائدة في القارة الإفريقية، وعليها يبني علاقاته مع الدول الأوربية سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو التجارية من موقع الندية، ولا يسمح لها بالتعدي على شخصيته وسيادته الوطنية، كما نلاحظه الآن في بعض مواقف هذه التي تحاول أن تعيد فرض شروطها عليه كما فعلت في الماضي، كما أنه  لا ينطلق من شعارات سياسية يعرف جيدا أبعادها وانعكاساتها على السلم والأمن سواء الداخلي أو في محيطه الإفريقي والدولي، وهو ما يثير حفيظة “الكراغلة” الحاكمين في الجزائر تجاه، الذين وقف في وجه أجدادهم وآبائهم الغزاة وكسر سلاطينه وملوكه شوكتهم  على حدوده، وحد من أطماعهم في بسط سيطرتهم على المغرب يوم وطأت أرجلهم أرض المغرب الأوسط.

ولعل ما أغضب الرئيس الجزائري أكثر هو تخوفه مما قد يحدثه الإنتاج التنويري التاريخي الذي تنوي فرنسا دعمه باللغتين العربية والأمازيغية في المنطقة المغاربية، اعتبره دعما غير معلن لمطالب منطقة القبائل باستقلالها، والتي قاومت الاحتلال العثماني بشراسة، كما كانت مقاومتها للاستعمار الفرنسي أشرس، وهي تقاوم اليوم الطغمة العسكرية  وتطالب سلميا باستقلالها انطلاقا من داخل الجزائر ومن خارجها، وأسست حكومة مؤقتة لها في فرنسا ولمواجهة “التضليل” و”الدعاية” التي يقودها الأتراك  الذين يعيدون كتابة تاريخ الجزائر لتبرير احتلالهم لها، تحت راية الجهاد والدفاع عن الإسلام، وهو الأمر الذي ما تزال تركيا تمارسه اليوم تحت مختلف الذرائع، في غير ما بلد عربي كما هو الأمر مع ليبيا.

القيادة العسكرية الجزائرية، وأمام ما صرح به ماكرون، ما عليها إلا أن تعيد كتابة تاريخها فعلا، فقبل الاستعمار الفرنسي، كانت جميع المراسلات التي تصدر من الجزائر المدينة، يتم توقيعها من طرف “الدايات والبايات” وليس باسم دولة اسمها الجزائر، مما يجعلها خارج التاريخ، على عكس ما هو عليه المغرب الذي ينطلق من تاريخه العميق وعلاقاته مع الدول الأوربية الكبرى الضاربة الجذور في التاريخ، وعلى مظاهر رقيه ونموه وهدوئه عبر قرون وعلى أساسها يتم التواصل السياسي والتجاري والاقتصادي في الحاضر مع الدول الإفريقية والدول الأوروبية، محافظا على التوازنات مستحضرا في مساره وتوجهاته السياسية والاقتصادية وموقعه الاستراتيجي الحساس، وباعتباره بوابة مفتوحة على البحر الابيض المتوسط وعلى المحيط الأطلسي جعلت منه قديما وحديثا محط أنظار الدول الإفريقية وأطماع الدول المتوسطية التي تعمل على توسيع مصالحها والتوغل في إفريقيا.

فما قاله ماكرون حول عدم وجود دولة جزائرية في الماضي، هو واقع تاريخي لا يمكن للطبيعة العسكرية للنظام أن يلغيه،  فمنذ حصول الجزائر، إن جاز تسميتها بهذا الاسم، إن نظرنا إلى الدور الذي لعبه الجيش الجزائري بعد الاستقلال، والدور الذي يلعبه في بنية الدولة، يملك تاريخا حافلا من الانقلابات، ذهب ضحيتها الآلاف من الجزائريين وخير قادتهم، بالإضافة إلى ارتباطاته مع المنظمات الإرهابية،  هو ما دفع بالشعب الشعب الجزائري إلى الوقوف في وجه المؤسسة العسكرية، من أجل  إيجاد إطار لبناء دولة مدنية حقيقية تتمتع بثقة الشعب الجزائري بمختلف أطيافه، وتحريرها من آثار الاحتلال العثماني والاستعمار الفرنسي والانقلابات العسكرية وبناء هويتها الأمازيغية العربية والإسلامية. وتتمتع بالاستقرار والدوام في التاريخ المستقبلي وهو ما يعني البدء في تأسيس الدولة والاستقلال الحقيقي وتقرير المصير.

غير أن ما يخيف النظام العسكري الذي يعيش على الوهم، هو أن هذا التوصيف صدر من حليف غربي قوي، استعمر منطقة المغرب الكبير إلى جانب دول إفريقية أخرى، وهو الذي يمتلك كل الوثائق وكل الخرائط التي تحدد الواقع التاريخي والقانوني لهذه الدول إلى جانب الدول الأوربية، مما قد يضعها وجها لوجه أمام ما تزعمه من أن الصحراء غير مغربية، ولصرف أنظار المجتمع الدولي عن احتلالها منطقة الصحراء الشرقية، بما فيها تندوف والركان وتيكورارين التي ضمها الاستعمار الفرنسي إليها.

وإذا كان التاريخ لا يعيد نفسه مرتين، فما على الجزائر إلا أن تكتفي بحاضرها وتصلحه وتعالج تحدياته حتى لا تضيع نفسها كما ضيعته في ماض لم تكن تملك فيه مقومات الدولة وملامح الهوية الوطنية.

إن مؤسسات مدنية جزائرية حرة ونزيهة وصريحة، هي وحدها التي بإمكانها أن تعيد ترتيب أوراق التاريخ ومراجعتها، وقراءة بياضاتها الكثيرة في المنطقة الجزائرية، وإعادة تشكيل العقل الجزائري وفق المصالح المتبادلة ووفق الواقع والمستقبل، وليس الأمر موكولا لمؤسسة عسكرية معادية للشعب الجزائري ولمصالحه وأمنه واستقراره وتنميته ورفاهه، ومانعة من تقرير مصيره وإنهاء جدل الهوية والمستقبل المظلم.

 

أضف تعليق

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق