التواصل في الموسيقى

الجزء الأول

بقلم: الفنان جمال بن حدو

نعرض في هذا الباب في الفصل الأول إلى كيفية التواصل في مجال الموسيقى من خلال دراسة استقرائية ذات بعد تاريخي يرجع إلى الفترات الأولى التي توصل فيها الإنسان القديم إلى أهمية التواصل بالموسيقى وكيف استعملها للتواصل في مجاله البيئي المتنوع، كما نستعرض كيفية تطورها مع تطور حاجيات الإنسان وتعقد طرق تواصله مع الخالق، ثم نخلص إلى نماذج من صميم حضارتنا وثقافتنا المغربية الأصيلة، فنعرف بالموسيقى الحسانية وأدواتها التواصلية وكيف أنها حققت تواصلا حضاريا وتاريخيا مع شعوب مجاورة، ونبين ذلك من خلال العلاقة الشكلية والصوتية التي تجمعها مع الفلامينكو والموسيقى العتيقة الإيبيرية.

وفي الفصل الثاني نقارب فيه الصيغ التواصلية لفن الملحون، علما أنه فن أدبي وموسيقي، وشكل جنسا إبداعيا تواصل من خلاله المغاربة وأنتجوا أدبا شعبيا راقيا له كل الخصائص والمميزات التي ينفرد بها عن غيره من الفنون الأخرى، فكان الملحون ديوانا حقيقيا للمغاربة يجمع حضارتهم وثقافتهم الغنية.

التواصل بالموسيقى[1]:

هل يمكن الحديث عن الموسيقى والتواصل Musique et communication أو التواصل والموسيقى بمعنى هل يمكن الحديث عن العلاقة التي قد نجدها بين الموسيقى والتواصل، أي هل للموسيقى دور في عملية التواصل، وإلى أي حد يمكن أن يصل تأثيرها على مستوى التواصل الذاتي أو التواصل بين الأفراد والمجموعات البشرية أو التواصل بين البشر وغيره من المخلوقات والظواهر، وهل فعلا هناك ما يثبت في التاريخ البشري ما يؤكد ذلك، سواء في الحضارات القديمة أو الحديثة؟ وبالتالي هل يمكن الحديث عن الموسيقي التواصلية أو التواصل الموسيقي، وهذا ما يعني أن الموسيقى هي أنواع كثيرة ومتعددة تصلح لأنواع كثيرة ومتعددة أيضا من التواصل.

هناك موسيقى متخصصة في التواصل مع القوى العليا كالآلهة والإله، وهناك موسيقى للتواصل مع الشباب وأخرى للتواصل مع الحيوان وهناك موسيقى للتواصل مع الأرواح… بل هناك أيضا موسيقى لتواصل الثقافات وتكون حاملة لثقافة الشعوب وحضاراتها، كأن تسمع موسيقى فولكلورية وتعرف للتو المنطقة أو الجهة أو البلد الذي تنتمي اليه، وبالتالي تكون رمزا حقيقيا معبرا جدا عن تلك المنطقة كأن تسمع مثلا موسيقى الصين، خاصة الموسيقى الفولكلورية منها، وقبل أن تسأل عن البلد الذي تنتمي إليه تلك الموسيقى تصيح الصين…

وعلى كل فالتواصل مصطلح عرف انتشارا وإشعاعا وغدا أكثر المفردات استعمالا على مستوى العلاقات الخاصة، وكذلك على مستوى الإعلام بأنواعه كما أنه اكتسح البحوث والأطروحات في الجامعات المغربية، وكذلك الجامعات الدولية لما أصبح لظاهرة التواصل من أهمية كبيرة في عالم التطور التقني على مستوى الإعلام والإعلاميات.

إن التواصل هو تحقيق علاقة ما مع الآخر، أي بث وإرسال رسائل معينة لجمهور عريض وكبير من حيث العدد. فإن هذا الجمهور الذي قد يكون غير متجانس أي مختلفا عن بعضه ثقافة وحضارة وكذلك لغة واعتقادا. مما يفسر الصعوبة والخطورة المطروحة  في نفس الوقت، الشيء الذي دفع إلى تأسيس شركات للتواصل متخصصة، تستطيع تحقيق هذه العملية في أحسن صورة وعلى أكمل وجه.

والتواصل أنواع فهناك التواصل بين الأشخاص وبين المجموعات البشرية وهناك تواصل بين الحيوانات وتواصل بين النباتات. وقد أدى توفر الأجهزة السلكية واللاسلكية وتطور التقنيات الجديدة إلى ظهور نوع جديد ومعقد من التواصل من مثل التواصل بين الإنسان والحيوان، أو بين الإنسان وهذه الأجهزة التقنية نفسها، وهذا ما يؤدي بنا إلى القول إن التواصل علم تتقاسمه عدة تخصصات وعدة علوم قد لا تؤدي إلى تعريف واحد وموحد.

ولتفسير ذلك ظهرت تيارات فكرية لها نظرة مختلفة للموضوع[1].

التيار الفكري الأول والذي يتمحور حول علوم الإعلاميات والتواصل، ويقترح مقاربة الاتصال الذي يرتكز على نقل المعلومات، ويهتم على حد سواء بالتفاعل بين الإنسان والحاسوب عبر دعم العلوم المعرفية وذلك دون الاهتمام بالعامل النفسي لنقل المعرفة.

التيار الثاني فتتزعمه العلوم النفسية وتهتم بصفة خاصة بالتواصل الشخصي ( زوج ثنائي أو بين مجموعات بشرية)، إذن فالتواصل هنا هو نظام معقد يأخذ في اعتباره كل ما يحدث أثناء عملية تواصل بين شخصية أو مجموعات بشرية من حمولة معرفية وعاطفية وحتى التفاعل الذي يدخل في اللاوعي، وفي هذا السياق نعتبر أن المعلومات المرسلة هي دائما متعددة، فنقل المعلومات ليس سوى جزء من عملية الاتصال والتواصل، بمعنى أن هناك مستويات متعددة من المعاني تروج في وقت واحد.

التيار الثالث الذي ينطلق من العامل النفسي ليحلل التواصل والاتصال من داخل العامل النفسي نفسه.

أما الموسيقى فقد نعتها أغلب المتحدثين أو الكتاب الذين تناولوها كموضوع لمقالاتهم وأحاديثهم ومحاضراتهم باللغة العالمية، كما وصفوها بأنها أخطر ما ابتدعه الإنسان لتحقيق ضرورة من ضروراته التواصلية. وفي حقيقة الأمر فإن الموسيقى جاءت لتكمل دور اللغة في التواصل مع القوى العليا والقوى الغيبية، كلما استعصت كلمات اللغة عن التعبير.

 وهي بذلك تعتبر أداة تواصلية بامتياز، فالباحثون العالميون المتخصصون الثلاثة: دوروتي ميل ورايموند ماكدونالد ودافيد هاركريفس خلصوا إلى التعريف الآتي للموسيقى، وذلك في كتابهم المشترك “التواصل الموسيقي” قد ذهبوا إلى أن” الموسيقي هي شكل من أشكال التواصل والاتصال بين الأفراد ومن أجل الأفراد، فهي تعطي فرصة للتعبير من خلال الكلمة والآلات الموسيقية. إن الموسيقى جزء من الثقافة، وهي تراث مشترك لكل المجتمع، وبالتالي فكل ثقافة لها موسيقى خاصة بها ذات أسلوب وتصميم ومقاربة تميزها. والموسيقى لها أدوار ومهمات عديدة منها الفنية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعاطفية المتعددة اللغات… فالموسيقى إذن تواصلية، وبالضرورة[2].

من هنا يتضح لنا أن الموسيقى لغة كونية تواصلية دخلت في اليومي لكل البشرية، فإنك لن يمر عليك يوم دون أن تكون تعاملت معها مبدعا أو متلقيا أو مستعملا إياها في حركاتك وسكناتك وصلواتك التي تتجه فيها إلى خالقك.

[1] عبدالرحيم تمحري، تقنيات التواصل والتعبير، منشورات علوم التربية، الطبعة الأولى2007 ص68-70

[2] Musical communication.OXFORD, UNIVERSITY,2005, pp:10_11

[1] بنحدو جمال الدين: مدخل الى تاريخ موسيقى الاديان، دارالأوائل، سوريا، رقم 9789933415228.

يتبع..

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق