البرلمان الأوروبي

بقلم: خلود المختاري*

أقصد، قبل أن يُجمع البرلمان الأوروبي على كون وضعية حرية الصحافة والتعبير تعيش حالة من المرض المزمن، تسببت فيها سياسة غير حكيمة وقمعية اتجاه المنتقدين للسلطة، تحدثت وزارة الخارجية الأمريكية عن هذا الوضع في بلاغ توجهت فيه للمغرب، تطالب من خلاله إطلاق سراح الصُحفي سليمان الريسوني الذي كان آنذاك قد تجاوز 90 يوما من الإضراب عن الطعام، وبين الحدثين أصدرت الأمم المتحدة، أخطر قرار أممي في تاريخ المغرب يخص اعتقال الصُحفي #سليمان_الريسوني وأحالت حالته على المقرر الأممي المعني بالتعذيب وكل من المقررين المعنيين بحماية الحياة الخاصة والصحة وحرية التعبير، بحيث جاء في هذا القرار المُلزم للدولة المغربية بما أنها عضو في الأمم المتحدة، إطلاق سراح الريسوني فورا، باعتبار أن اعتقاله يعد تعسفيا، وتعويضه عن هذا التعسف.

قبل كل هذا، قبله بكثير، قبل أن يدخل سليمان وعمر الراضي في إضراب عن الطعام، وقبل أن يحال ملف كلاهما على القضاء الجالس، رصدت أصوات حكيمة، وجمعيات حقوقية ومثقفون داخل بلادنا، المعاملة القاسية التي كان يعامل بها مواطنين مغربيين نزيلين عند مندوبية السجون، من طرف النيابة العامة وإعلام السلطة وقضاء التحقيق، ووقفت أمام هذا الكم من الخروقات بصوت وحس مواطن ووطني، تدين المستوى الذي آلت إليه الأوضاع الحقوقية في بلادنا، لكنها تلقت الجواب عبارة عن مقالات تشهيرية، تنهش في أعراضها ومصداقيتها ووطنيتها، ومن تم اعتقل الكاتب والمؤرخ معطي منجب.

عندما كاد الصُحفي سليمان الريسوني يموت في السجن من أجل محاكمته محاكمة عادلة، واحتجاجا على مسار قضاء التحقيق، صرخت جل تلك الأصوات الوطنية والمواطنة التي تعي في هذا السياق السياسي المتشرذم والهزيل، أنها مهما حاولت، لن تستطيع تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر، وأعادت المحاولة من جديد، كأنها تناجي النفس، تُنقبُ عن الحكمة في عقل أي كان ممن يحكمون، وتخاطب الإنسان فيهم، لكنها تلقت مرة أخرى جوابا واحدا، وهو ” سنتركه يموت، إنه يلوي ذراع الدولة”.

تدخلت أسماءٌ و توسط أشخاصٌ بمنطق “مصلحة الدولة” وآخرون بمنطق ” مصلحة الوطن” لوقف هذا النزيف وهذا الإجهاز العنيف والهمجي على أبناء هذا الوطن، هم في الأخير صحافيون، عبروا عن آرائهم، لكنهم لم يتسببوا في أذى كلف الدولة خسارة للصفقات والعلاقات الدولية، هم في الأخير شباب يقاوم بالقلم والفكرة، ويمارس هذا الحق بسلمية لا يمكنها أن تمس بالأمن والسلامة الداخلية للدولة. فأتى الجواب على هاته الشاكلة: سيظلون في السجن، وسيُعتقل كل من سيقف في وجه هذه الإرادة، وسنشوه كل من سولت له نفسه التضامن معهم.

نفس تلك الأصوات والأسماء والشخصيات، خرجت بعد أن تم تجاهلها في العلن والسر، وقالت: أنتم تحرجوننا نحن حملة فكرة الانصاف والمصالحة، وآخرون قالوا، إن المغرب كدولة انتهت، لأنها بلا مخاطب، ومنهم من قال، إن الجهات التي تحكم اليوم مصابة بعمى التسلط الذي سيكلف بلادنا الكثير. وهذا ما حدث.

التعليق على قرار البرلمان الأوروبي من طرف إعلامنا كان مبالغا فيه، بحجم الصدمة، ذاك الفجور في الغضب الذي يُقصد به أولا إخضاع المعتقلين لحصة تعذيب نفسي داخل زنازينهم، بما أنهم في حبس مغربي، لا يرون إلا الإذاعات المغربية التي تستضيف أصواتا ووجوها تضع ورقة “حقوق الإنسان على الطريقة المغربية” وهي تخاطب الرأي العام، مرفوقة بعبارات الإساءة للمعتقلين، مع إنهاء السكريبت بجملة يتم استعمالها للاستقواء بالانتشاء الذي وصلت إليه السلطة اليوم، ” المغرب دولة لديها 12 قرنا من الوجود”، متناسين أنها حليف لدول أخرى لديها نفس المدة وأكثر من الوجود، لكنها عملت على تأسيس الشق الحديث منها الذي يحترم حقوق الإنسان والحريات، وأننا نحن منذ ما يزيد عن 60 عاما نتدافع كقوى مدنية وسياسية لانتزاع فتات الحرية في المناسبات حسب السياقات السياسية.

ليس عليكم أن تغضبوا من برلمان أوروبا، الأوروبيون على مر السنين شكلوا جبهة من أجل التصدي لكل ما يمكنه أن يقف في وجه حقوقهم، حتى من صوتوا ب “لا” لصالح المغرب، أخص بالذكر يسار اسبانيا، وقف في وجه فرانكو وقفة حزب واحد، لكنه سيستكثر على شعب المغرب ذلك، نفس الشأن بالنسبة لليمين، إيديولوجية مارقة، ترفض أن تعيش شعوبا مثلنا انفراجا حقوقيا وسياسيا نظيفا، لكن عندما نتجه لبلدانهم فارين من تابعات انعدام العدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية، ينهالون علينا بالعبارات القاسية والنعوت اللئيمة، ويرفعون مطلبا واحدا، هو طردنا من بلدانهم وترحيلنا إلى جحيمنا الناعم.

واقع حرية الصحافة والتعبير في المغرب، مرحلتين، لا تقتصر على اسم واحد، هذا الواقع منقسم إلى جزئين، ما قبل 2011 وما بعدها، وكلها كانت حالة تدافع بين السلطة والصحافة من أجل انتزاع استقلاليتها بدون أي ضمانات، لكن ما ظل مؤرخا خلال المرحلة بأكملها، هو ضيق صدر السلطة أمام المعالجة الموضوعية للصحافة لقضايا الوطن الكبيرة، فنتج عنها اعتقال كل من الصحافيين، علي أنوزلا وعلي المرابط، التضييق على الصُحفي بوبكر الجامعي، اعتقال رشيد النيني، تهجير صمد أيت عائشة، وهشام المنصوري، ثم اعتقال توفيق بوعشرين، سليمان الريسوني وعمر الراضي في السياق السياسي الأفظع في تاريخ المغرب الحديث.

المغرب بلد بحاجة لمن يحميه، إما ستحميه جبهة سياسية وطنية حقيقية، إما سيحميه المراقب الدولي الذي يمده بالإعانات والصفقات شريطة احترام العهد الدولي لحقوق الإنسان.

أنا كنت أرجح الطرح الأول، لكن هناك من هو متشبث بطرح آخر، قادنا إلى الهلاك، وإلى استنزاف جمعي، يثير شكوكا كبيرة حول النخبة التي يستعملها أو يستعين بها المغرب اليوم.

لا تغضبوا من البرلمان الأوروبي، الأوروبيون يسكبون الحليب أرضا في الشارع العام عندما تفرض عليهم حكوماتهم الزيادات في الأسعار. لا تغضبوا وليس هناك أي داعٍ لخروج برلماننا الذي لطالما صوت بقوانين ضد جيوب وإرادة الشعب المغربي.

*ناشطة حقوقية 

زوجة الصحفي المعتقل سليمان الريسوني

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

x
إغلاق