الاحتجاج بين المشروعية والحظر

بقلم: يونس شهيم

أطر المشرع “التجمهر” من خلال الكتاب الثالث من الظهير الشريف رقم 1.58.377 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 موافق 15 نونبر 1958 بشأن التجمعات العمومية والمعدل والمتمم بالقانون رقم 76.00 ، حيث تشير الفصول من 17 إلى الفصل 25 إلى أنواع التجمهر الذي يمنعه القانون وحصرتها في نوعين اثنين لا ثالث لهما: التجمهر المسلح في الطريق العمومية، والتجمهر غير المسلح الذي يخل بالأمن العمومي.

وبالعودة إلى المناسبة، والمناسبة شرط كما يقال، فإن الاحتقان الواقع اليوم بالساحة التعليمية والذي مرده خروج مختلف الفئات المنتمية إلى قطاع التربية الوطنية والتعليم العالي للاحتجاج والمطالبة بحقوقها والتعبير عن مظلوميتها بالتجمهر تارة أمام مقر الوزارة الوصية على قطاع التربية والتكوين، وتارة أخرى أمام مقر الموارد البشرية بالعرفان وأخرى أمام مقر البرلمان بعد كل تدخل أمني يهدف إلى تفريق التجمهر، لا يصح تكييفه مع النوعين الذان حظرهما ومنعهما المشرع باعتبار تجمهرهم تجمهرا سلميا لا سلاح فيه وباعتباره تجمهر لا يخل بالأمن العمومي.

وقد بين الفصل 18 من الظهير ذاته متى يكون التجمهر مسلحا، حيث حصر ذلك في حالتين اثنتين : أولاهما إذا كان عدد من الأشخاص المكون منهم هذا التجمهر حاملا لأسلحة ظاهرة أو خفية أو لأداة أو أشياء خطيرة على الأمن العمومي، وهذا الأمر لا ينطبق على هؤلاء حيث لم تنقل لنا وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي سوى صورا لأساتذة ومديرين على اختلاف فئاتهم لا يحملون معهم سوى بعض الكتب والمحافظ في بعض الأحيان. ثم الحالة الثانية إذا كان أحد من هؤلاء الأشخاص يحمل أسلحة أو أداة خطيرة ظاهرة ولم يقع إقصاؤه وإبعاده في الحال من طرف الفئة المتجمهرة ذاتها، وعلاقة بهذه النقطة فللمتجمهرين أن يعملوا على تنظيم أنفسهم بما لا يدع مجالا لانسياب جسم غريب داخل مكان تجمهرهم، بأن يعمدوا إلى وضع شارات معينة أو بطائق أو صدريات تبين صفتهم ، ولهم أن يشكلوا لجينات تسهر على التنظيم واحترام القانون وتعمل أيضا على طرد كل مندس إلى خارج منطقة التجمهر.

كما أن الفصل 19 دائما من الظهير نفسه، يوضح كيفية تفريق التجمهر المسلح وليس السلمي، واستنادا إلى منطوق هذا الفصل فإن مسطرة التفريق لا تنطبق على هذا النوع من التجمهر، وبالنسبة لمسطرة تفريق التجمهر المحظور قانونا فإنها تبتدئ بالإعلان عن وصول ممثل السلطة التنفيذية حاملا شارات تبين وظيفته وصفته أو ممثل القوة العمومية إلى مكان التجمهر بواسطة مكبر الصوت، والغرض من استعمال مكبر الصوت أن يسمع كل المتجمهرون العبارة التي تدعو إلى فض التجمهر بشكل واضح تماما، أما وأن يحمل مكبر الصوت ولا يستعمل إلا استعمالا شكليا أو أن يكون به عطب ولا يعمل على إيصال الصوت فذاك فيه مخالفة لإرادة المشرع، ولا أدل على ذلك حرص المشرع على توجيه إنذار ثاني وثالث بنفس الكيفية ،أي باستعمال مكبر الصوت، قبل الانتقال إلى استعمال القوة في عملية تفريق التجمهر، والملاحظ هنا أن المشرع سكت عن كيفية استعمال القوة وحدود استعمال هذه القوة، غير أن التجارب المقارنة أثبتت أن هذه العملية قد تباشر إما بحمل المتجمهر ونقله خارج مكان التجمهر وإما باستخدام خراطيم المياه. غير أن ما تم تناقله من اندساس وتوغل أشخاص هناك من وصفهم بأعوان سلطة أو غيرهم وممارستهم للركل والرفس فليس ذلك من القانون في شيء!

وإن كانت السلطات المعنية بفض التجمهر تستند في ذلك إلى المرسوم 2.20.293 الصادر في 29 من رجب 1441  والموافق ل 24 مارس 2020 في شأن إعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا -كوفيد 19- وخاصة في مادته الثانية التي منحت للسلطات العمومية اتخاذ مجموعة من التدابير منها منع التجمهر فإن الأسئلة المطروحة :

1- لماذا تقتصر السلطات على هذا التدبير بعينه في حين يتم التغاضي عن باقي التدابير التي وردت في المادة المذكورة والتي عشناها جميعا بحذافيرها طيلة الحجر الصحي؟؛

2- ماذا لو كان من بين المتجمهرين من تمكن من تلقيح نفسه بالجرعة الثانية ضد كورونا؟ ألن يكون في منأى عن هذه المادة باعتبار القاعدة ” انتفاء الحكم بانتفاء العلة”.

إن الوقائع والأحداث التي شهدتها مدينة الرباط مؤخرا توضح جليا أن بلادنا تسير وفق خطين معاكسين: اتجاه ملكي رزين ما فتئ يحقق مكتسبات وانتصارات على عديد أصعدة منها الديبلوماسية (كسب قضية الصحراء المغربية- إقامة وتوطيد العلاقات الدولية-افتتاح مزيد من القنصليات والسفارات- العودة القوية إلى المنتظم الإفريقي…) مقابل اتجاه يغيب عنه الكفاءة والحكامة في تدبير القطاعات المسندة إليه، اتجاه ينسف ويهدم ما حققه المغرب من مكاسب على مستوى الحقوق والحريات، هذا الاتجاه الذي يتربع عليه مدبرو قطاع التربية الوطنية، وللمثال -لا الحصر- كيف يمكننا أن نقنع التجارب الدولية بجودة طريقة تدبيرنا للوظيفة العمومية عموما إذا ما تساءلوا عن إطار “متصرف تربوي” بأقدمية 13 سنة في السلم العاشر يتخرج من مسلك الإدارة بنفس السلم مع تقهقر وقرصنة لسنوات أقدميته، إلا إن كانت هذه الدول ستستنسخ هذه التجربة المغربية قصد إدراجها ضمن نظام العقوبات التي قد تطال موظفيها المخلين بالواجب المهني!!

                                                                                                               يونس شهيم

                                                                                                     باحث في العلوم السياسية

أضف تعليق

الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق