استقلال القضاء هو التطبيق الحرفي لما يقرره الشعب عن طريق ممثليه

الكاتب: ذ. محمد زيان

طرحت الأوساط السياسية والحقوقية جدالا قانونيا حول إشكالية تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة المغربية والمؤسسات العمومية التابعة لها من منظور أن كل ما يصدر عن القضاء فهو ملزم للجميع، وهذا ما لا يمكن قبوله سياسيا، ذلك أنه لا أحد يمكنه القول بأن ما يصدر عن السلطة التشريعية ليس ملزما للقضاء الذي ينحصر دوره في تطبيق القانون حسبما أراده المشرع وفي حدود الفهم الذي فهمه هذا الأخير، في حين أن جميع التشريعات الكونية اتفقت على عدم إلزامية تنفيذ الأحكام المخالفة للقانون، إذ تعتبر باطلة وكأنها لم تكن.

فإذا كان المشرع يحدد العمل القضائي، فإن هذا الأخير لا يقوم إلا بتطبيق ما يقرره المشرع، وهو الشيء نفسه فيما يخص السلطة التنفيذية التي لا يمكن لها أن تتجاوز القاعدة القانونية وعليها أن تعمل في إطار ما يحدده لها المشرع مسبقا زمنا وموضوعا، في الشكل وفي الجوهر.

فَكَفَانَا ديماغوجية، إذ ليس من حق القاضي فردا أو جماعة التوجه للسلطة التشريعية بإصدار الأوامر أو تحديد المفاهيم. كما أنه ليس من حق السلطة القضائية أن تأمر السلطة التنفيذية، إذ تنحصر اختصاصاتها في إلغاء ما تقوم به السلطة التنفيذية من خروقات؛ فالقاضي يراقب مدى احترام السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية، وهذا أمر مسلم به ديمقراطيا.

فإذن أين يَكْمن الخلل؟

ليس من حق الحكومة أن تحدد لنفسها طموحا يصعب تنفيذه، وبالفعل لا يمكن للحكومة أن تبرمج مشاريع غير واقعية أو غير قابلة للتحقق على أرض الواقع في آجال معقولة، ونزع مِلكيات أراضي الخواص دون أن تتوفر لديها الإمكانيات المالية لمواجهة أصحاب هذه العقارات بالتعويض المناسب، فهذا المبدأ لا يقبل الاستثناء.

إذا كانت الإدارة تبني مشاريعها بفكرة مسبقة مأداها عدم تعويض أصحاب الأراضي والعقارات المنزوعة، أو تؤسس سياساتها خارج الإمكانيات المالية الآنية، فإن هذه الإدارة ستقوم لزوما بخرق القانون والشطط في استعمال السلطة.

وإذا كان طموح الدولة عند وضع تصور لسياستها الاجتماعية، سيجعلها تتجاوز الحريات الأساسية والحقوق الفردية وخرق قاعدة التقادم والمساطر القانونية من تبليغ وتواريخ مضبوطة حتى يتسنى لها خرق الآجال القانونية، فإن هذه الدولة وإداراتها ستفقد مصداقيتها وثقة المواطنين فيها.

إن القضاء وهو يقوم بتفقير المالية العمومية لفائدة مُصَدِّرِي القرار المطلوب تنفيذه باسم المتقاضين بتجاوز الواقع وتغييره، سيصبح قضاءً فاسدا طاغيا ظالما فاقدا لسلطته المعنوية.

ويبقى الحل هو أن ننطلق من ضرورة اعتبار أن الشعب دون غيره هو سيد الأمور، وهو الذي يأمر ويشرع ويحدد.
فالشعب عن طريق نوابه وممثليه يشرع ويراقب ويحدد المفاهيم ويختار السياسات والأهداف الاجتماعية حسب ما يخدم مصلحته وطموحه لكونه وحده دون غيره يتحمل أعباء تضحياته.

وبينما يُفترض في الحكومة أن تحترم الاختيارات الشعبية وتدافع عنها وتسهر على تطبيقها التطبيق الأمثل حتى تضمن استمراريتها، ينحصر دور القضاء في فرض الإرادة الشعبية بقوة القانون بما يتوفر لديه من آليات.

إن فصل السلط يؤدي لا محالة إلى سلط متوازنة يقوم الشعب بالتصرف من داخلها، حتى لا تطغى أية سلطة على أخرى.

وبمعنى أوضح فجميع السلط عليها أن تنحني أمام الإرادة الشعبية؛ فالشعب اليوم يبحث عن وسائل محاربة الفساد بإبطال الأحكام الجائرة وجعلها غير قابلة للتنفيذ. كما أن الوجود الحكومي ينتهي بمجرد ما تنحرف الحكومة لتطبيق سياسة خارج الإرادة الشعبية.

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق