إلى وزير التربية الوطنية: تغيير المقررات الدراسية فوضى!!

إعداد: عبد الفتاح المنطري

تعاقبت على الأسر المغربية خاصة في السنوات الأخيرة حمى تغيير المقررات الدراسية، وتضررت من ذلك بشكل كبير الطبقات الوسطى التي تلحق أبناءها بالتعليم الخصوصي، وغالبا ما تهم حمى التغيير هذه، المواد العلمية واللغتين الفرنسية والإنجليزية، ولا يخفى على أحد إذن ما تشكله أسعار كتب هذه المواد وملحقاتها من قيمة مالية، إذ يتراوح سعر النسخة الواحدة منها بين مائة درهم ومائتي درهم وربما أكثر من ذلك في بعض الأحيان في السلكين الابتدائي والإعدادي على الأقل.

فهل يعقل أن تتم عملية التغيير هذه – يا سيادة وزير التربية الوطنية – في كل موسم دراسي دون مراعاة تكلفة ذلك السوسيو-اقتصادية على نسيج الأسر المتوسطة التي تراهن في تمدرس أبناءها على القطاع الخاص. وما معنى أن تحصل هذه التغييرات دون أن يصاحبها دعم مالي أو عيني من قبل الدولة (وهذا ليس استجداء أو طمعا في شيء بل هو حق مكتسب)لهؤلاء الأبناء الذين قررت عليهم هذه المقررات الجديدة؟

فلا شك أن كثيرا من الأسر قد تذمرت من حمى التغيير هذه في المقررات الدراسية والتي تذهب بمدخراتها إن وجدت مع تزامن نفقات العطلة الصيفية مع اقتناء الأضحية وتبعاتها، ومع أداء رسوم التسجيل بالمؤسسات التعليمية الخاصة في وقت نشهد فيه ضربا ممنهجا للقدرة الشرائية من قبل لوبي الشركات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ألم تفكروا – دكتور سعيد أمزازي وأنتم العضو بالحكومة – في تلكم الطبقة المتوسطة الدنيا والتي بين بين حينما يتم تغيير المقررات الدراسية وقررتموها دون أن تضعوا في حسبانكم أن كتبا مقررة سابقة ستذهب إلى “سوق الخردة” دون أن يحولها أخ لأخته أو تحولها أخت لأخيها أو أخ لأخيه أو أخت لأختها من باب “الاقتصاد نصف المعيشة” أو وفر “درهمك الأبيض ليومك الأسود”.

وإن كان ولابد من تغيير المقررات عملا بمبدإ مواكبة العصر و سيرا على خطى التحيين والتحديث وفق تكنولوجيا المعلومات لا بالخضوع لعوامل تجارية محضة، فإنه كان ولابد أيضا أن تخلق الدولة والجماعات المحلية بمشاركة القطاع الخاص كفاعل اقتصادي مثل الأبناك وشركات الإشهار والمؤسسات العمومية وشبه العمومية والمكاتب الوازنة التي تظهر “لوغوهاتها” بمهرجانات التطبيل والغناء والرقص كداعم أو راع لها، أن تخلق كل هذه المؤسسات الكبرى دينامية جديدة بتشارك الجميع وتدعم المدارس الخاصة وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ بهاته المدارس تحت رعاية وإشراف هيئة بيداغوجية عليا ومستقلة، ولماذا لا تفكر الدولة في خلق هيئة كهذه تقوم باقتناء الكتب المقررة سابقا من الأسر وتعويضها بالكنب المقررة لاحقا من أجل التخفيف عن ميزانية هذه الأسر التي تضحي بالغالي والنفيس في سبيل تدريس أبنائها بالقطاع الخاص.

وتذكرني هذه العملية التربوية إذن بما قامت به الحكومة النيوزيلاندية مؤخرا بعد واقعة المجزرة التي ذهب ضحيتها مسلمون صلوا بمسجد العاصمة على يد متعصب يميني، إذ قررت أن تجمع الأسلحة من المواطنين باقتنائها منهم وتعويضهم ماديا بحوالي 95 في المائة من سعرها الحقيقي.

فكرة ذكية من حكومة مواطنة

إنكم – سيدي الوزير- بتغييركم للمقررات الدراسية دونما دعم لأسر التلاميذ، إنما تستنزفون قدرات هذه الأسر وتفرغون جيوبها ،فتضربون بذلك قوتهم الشرائية المتدهورة أصلا منذ تسع سنواتويبقى المستفيد الأول هنا هو دور النشر والتوزيع التي تروج لتلك الكتب والمطبوعات كل سنة دراسية ومن صفحة واقع التربية و التعليم بالمغرب على الفايس بوك.

أنقل هذه الصرخة ذات العلاقة: آلاف أساتذة التعليم الإبتدائي وملايين تلاميذ هذا السلك سيجدون أنفسهم مضطرين ابتداء من شتنبر القادم إلى العمل بكتابين مدرسيين في كل مادة دراسية (الكتاب المدرسي القديم + ملحق جديد منفصل معا)، ومبرر الوزارة في الإبقاء على الكتاب القديم هو “الاستجابة لطلب الناشرين”.

لنترك جانبا تأثير هذا العبث على بناء الدروس تخطيطا وتدبيرا، ما جدوى مئات الملايين التي تم صرفها، مركزيا وجهويا، للتبشير بالفتح المبين الذي يشكله هذا المنهاج الجديد؟!!! في الحقيقة تصفي نيتك حتى تعيا ولابد تشم ريحة صفقة ما؛

أولا: ألم يكن الناشرون على علم بالتغيرات الخاصة في منهاج هذا السلك؟

ثانيا: متى كانت الوزارة معنية بسياسة دور النشر؟ (ايلا طبعو نسخ بزااف يتحملو مسؤوليتهوم

ثالثا: والأهم: واش لله في سبيل الله تعطي الوزارة للوبي الناشرين سنة إضافية لبيع كتب قديمة تنتمي لمنهاج قديم؟؟

مستنقع إنتاج وتسويق الكتب المدرسية يحتاج إلى تنظيف حقيقي

ولأن الشيء بالشيء يذكر-كما قالت العرب- ولأن هناك مفاصل تلتقي عندها كل منغصات العيش التي تستهدف الطبقة المتوسطة، فإنه وجب التذكير بما سبق نشره عما يعانيه دافع الضرائب عندنا في مواجهته لمنظومة بنكية وصحية وتعليمية إذا ما قورن بدافع الضرائب الأوروبي.

هناك خيط رفيع يربط بين دافع الضرائب المغربي ودافع الضرائب الأوروبي وبين انخراطهما الطوعي أو القسري في عملية الاستبناك أو البنكنة وبين التأمين على صحتهما وصحة ذوي حقوقهما وأيضا بكل ما تعلق بتعليمهما أو تعليم أبنائهما وفق منظومة من المفترض أن تكون جيدة في القطاع العام أو بالقطاع الخاص إذا أضفنا إلى ذلك أيضا ما يرتبط بمعيشهما اليومي وأسرهما وبأنشطتهما الشهرية والسنوية من إسكان واقتراض وتنقل وسفر وسياحة وخلافه إطلالة بسيطة على حقوق دافع الضرائب أو المواطن الأوروبي، تجعلنا ندرك مدى البون الشاسع الحاصل بينه وبين دافع الضرائب عندنا.

فهو يتمتع بحد أدنى للأجور لا يقل في الغالب عن 1400 أورو، حسب المستوى الاقتصادي لدولة ما بالاتحاد الأوروبي ويستفيد غالبا من المجانية في الدواء وفي العلاجات وفي الاستشفاء داخل أو خارج المشافي العمومية كالعمليات الجراحية وعمليات التوليد والمتابعة، وغيره ومن تعليم لأبنائه بجودة عالية مع توفير المستلزمات الدراسية والنقل المجاني، ومن تعويضات عائلية ذات قيمة معتبرة ومن رعاية خاصة للمواليد وللأطفال عموما، ومن التعويض الشهري من الصندوق الخاص بذلك عن توقف أو فقدان الشغل لكل مواطن أو مواطنة كيفما كان حاله وتمتيعه بالمجانية في كثير من ضرورات العيش اليومي، وكذا توفير الإيواء المجاني له من قبل الدولة أو دفع مقابل مادي للاستفادة منه، حسب الاستطاعة دون الحديث عن الامتيازات المتعددة التي يحظى بها من قبل الدولة ذوو الاحتياجات الخاصة من معاقين ذهنيا أو بدنيا أو من الفاقدين للحركة وللقدرة عن العمل أو لمن لهم صعوبة في القراءة والتذكر ومرضى التوحد وأصحاب الأمراض المزمنة من الصغار والكبار.. إلخ. مع اعتماد سياسة كسر الأسعار في عدة مناسبات ليتمتع من هم في أمس الحاجة أيضا بتناول أو ارتداء ما غلا سعره، كما تعطى لكافة المواطنين والمواطنات عدة خيارات تحت ضمان الدولة وفق منظومة السلامة الاجتماعية وأمن الشغل أو عدمه، في كل ما تعلق بمعيشهم اليومي وحاضرهم ومستقبلهم من تيسير في السكن وفي شروط الحصول عليه حسب مدخول كل فرد وفي توفير آفاق واعدة للتكوين الذاتي واستكمال الدراسة وفي طرح ومراقبة السوق التنافسية الحر للاستفادة من خدمات الهاتف والأنترنيت ونحو ذلك وفي تنظيم الأسفار الداخلية والخارجية والسياحة الفندقية والتخييم، وفي كل ما يرتبط بالصحة العامة للمواطن ووقايته من مختلف الأمراض بل حتى الحيوان الأليف له ما يلزمه من حقوق العناية به في إطار القوانين الجاري بها العمل هناك، وما خروج أصحاب السترات الصفراء أساسا إلى شوارع فرنسا إلا من أجل المطالبة بالتخفيض من الضرائب وتجويد الخدمات المقدمة إلى المواطن أسوة ببعض الدول الأوروبية التي تحظى فيها الرعاية الاجتماعية بمستويات أفضل وأرقى من فرنسا. وبالطبع فالاتحاد الأوروبي ليس جنة من لا جنة له ولكنه من منظور شعوب كثير من الدول السائرة في طريق النمو المسماة سابقا بالدول المتخلفة أو النامية، فمواطنوه يعيش معظمهم عيشة راضية على الأقل مع ضرورات الحياة.

أما دافع الضرائب عندنا، فهو رغم التزامه بأداء مختلف الواجبات الضريبية وهي كثيرة ومتنوعة المصادر سواء ما تعلق بدخله أو بالضريبة على القيمة المضافة أو بالضريبة على الاستهلاك أو الرسوم الجبائية الجماعية وكذا الرسوم المختلفة الواجبة على المواطن من قبل الدولة، فإنه، مع كل ذلك، يبقى عرضة لكثير من معيقات الحياة كمواطن يسعى إلى العيش الكريم داخل وطنه الذي يحبه ولا يرضى بغيره وطنا بل يغار عليه ويذود عنه من كل نيل من سمعته كلما سمع أو رأى ما يغضبه من مس بتاريخ أو حاضر وطنه، رغم كل ذلك وبحد أدنى للأجور لا يتعدى في الوظيفة العمومية مثلا 3000 درهم بالشهر، فإنه يكاد لا ينتفع من أي شيء يعد مجانيا إلا فيما ندر في معظم شؤون الحياة المعيشية منذ ولادته إلى حين وفاته، بل إن رب الأسرة أو معيلها هو من يتكفل برزق العاطلين عن العمل وبإيوائهم أو بمن توقفوا من أسرته عن الشغل لأسباب مختلفة إلا إذا كانوا قد تحصلوا هم على تأمين خاص بحالتهم على مستوى البنكنة أو الاستبناك أو معدل ولوج المواطن/ الزبون للخدمات البنكية، فإنه ولا ريب في ذلك، تظل الأبناك الربوية في العالم أو على الأقل بين أوروبا والمغرب متشابهة إلى حد بعيد في نوعية خدماتها المقدمة، لكن ما يثير العجب فعلا أن يتقدم مثلا بنك الملياردير المغربي عثمان بن جلون المعروف بالبنك المغربي للتجارة الخارجية بقرار تغيير اسم البنك ليصبح ابتداء من شتنبر 2019 تحت اسم “بنك أوف أفريكا”، وكأن هذا القرار هو الأهم بالنسبة لزبائنه بينما ينبغي للسياسة البنكية أن تذهب أبعد من ذلك من خلال استحضار روح المواطنة المغربية أولا، ومراعاة القدرة الشرائية المتراجعة لمعظم المواطنين منذ ثمان سنوات عجاف، وطرح صيغ تفضيلية تنافسية والسماح بإعفاءات في بعض الخدمات البنكية غير المجانية وبتسهيلات في الأداء وفي الاقتراض وتقديم نسب فائدة متدنية لذوي الدخل المحدود والمتوسط ولفئة المتقاعدين غير ميسوري الحال وللأرامل والأيتام من الشرائح الاجتماعية الدنيا؛ خدمات بنكية أو صيغ تعامل مجانية سبق أن طرحتها بعض الأبناك التجارية كالحساب المجاني الخاص بالنساء أو بفئة الشباب، أو مثلما أعلنه مؤخرا بنك متخصص في التمويل التشاركي، عن إطلاقه لعرض غير مسبوق في تاريخ المعاملات البنكية، حيث أصبح يتيح لزبنائه إمكانية السحب من جميع الشبابيك الأوتوماتيكية في المغرب.

والعرض عبارة عن خدمة تتيح إمكانية القيام بعمليات سحب أموال زبناء البنك من جميع الشبابيك الأوتوماتيكية الخاصة بالأبناك الأخرى بالمجان، بتحمله مصاريف السحب المحددة في 6 دراهم لفائدة زبنائه.. وحتى وإن بدا هذا العرض بسيطا من حيث قيمته، فهو يبقى بادرة مهمة بالنسبة للزبناء الذين يستخدمون بكثرة الشباك الأتوماتيكي، وحبذا لو فعلت سائر الأبناك المغربية إجراءات مماثلة تسير في نفس المنحى المجاني.

فعلى السلطات الحكومية الوصية وبنك المغرب إذن أن تبلور مقاربة مواطنة متطورة للحد من تجاوزات أبناك مغربية خاصة في قضية الاستهتار بالزبائن والتطاول على حساباتهم من خلال الاقتطاعات غير المعقولة كالاقتطاع الفصلي لقاء الاحتفاظ بالحساب عندها، والاقتطاع عند كل عملية تزويد الحساب أو عند التحويل من حساب إلى حساب آخر، وعند طلب شهادة بنكية كشهادة احتساب الفوائد المترتبة عن الاقتراض من البنك، والاقتطاع السنوي الثابت المتعلق بطلب بطاقة الأداء عبر الشباك الآلي، والتي من المفترض أن تكون مجانية لتشجيع الزبون على الاستهلاك مثلما هو جار به العمل في العديد من البلدان في خضم المنافسة الشرسة بين مختلف المؤسسات البنكية. ومما لا يستسيغه عقل ولا شرع ولا قانون أن هذه الأبناك الخاصة تتعامل بأموال زبنائها المسموح باستعمالها في عمليات تجارية تجني من ورائها أرباحا قد تكون خيالية، وحتى تلكم الاقتطاعات التي تطال حساباتهم، فهي وإن بدت غير ذات قيمة، فإنها إذا ضربت في عدد المرات وفي عدد الزبناء، ستتحول حتما إلى أرقام فلكية تعود على المساهمين بالبنك بمنافع شتى لا تحصى عددا.

ولا شك أن كل متعامل مع هذه الأبناك الخاصة يقدر حجم الأضرار التي تأتيه فرادى أو مجتمعة، كلما اطلع على رصيده البنكي، فيجده متآكلا بين الفينة والأخرى دون أن يكون هو مالك الحساب سببا في ذلك.. وما يلاحظه الزبناء أيضا الذين يراقبون حساباتهم كل شهر، هو تلكم الاقتطاعات التي تطال تلك الحسابات بمسميات عديدة مبهمة أحيانا يغلب عليها الطابع التقني المالي الصرف، ثم إن الزيادات في نسبة الاقتطاعات الشهرية أو الفصلية أو السنوية في تصاعد مستمر كل سنة، أما إذا اقترضت من تلك الأبناك، فإنك مطالب بدفع المقابل لقاء العديد من الخدمات المتعددة الأشكال أو تقتطع من الحساب أو من المبلغ الإجمالي للقرض.

يذكرني هذا بمفارقة عجيبة مناقضة تماما لما هو معمول به عندنا، فمثلا بطاقة الأداء الآلية ببنك أمريكي مشهور بالولايات المتحدة الأمريكية، تأتيك إلى عنوان إقامتك أو يسلمها لك البنك من مقره بالمجان وتظل معك صالحة ثلاث أو أربع سنوات وكل العمليات التي تقوم بها لا اقتطاع بها شرط أن يبقى برصيدك مائة دولار على الأقل كل شهر.. وليس هناك لا اقتطاع الاحتفاظ بالحساب كما هو الحال عندنا ولا اقتطاعات شهرية أو فصلية بل إنهم يعيدون إليك دولاراتك على التو إذا حصل أي خطأ منهم، ومن الأبناك ما يمنح الهدايا العينية أو المادية للزبناء الجدد و للزبناء الأوفياء.. أجل، هناك في دولة مؤسساتها البنكية وغير البنكية تضع تيجان على رؤوس زبنائها من أجل أن يظلوا أوفياء لخدماتها واحتراما لحقوق المواطن الذي يؤدي الضرائب للدولة ويساهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

ومن المضحك المبكي أن وزيرا بيجيديا في الحكومة الحالية اسمه لحسن الداودي، وهو الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة، سبق أن أثار مسألة استغلال الأبناك الخاصة لحسابات الزبناء والتصرف فيها عبر الاقتطاعات غير المرضية للزبناء، بل إنه قال زمن الاصطفاف في المعارضة أن فريقه قدم ملتمسا بمجلس المستشارين من أجل مناقشة هذه المشكلة ،فانتفض لوبي الأبناك حينها -على حد قوله بطريقته الساخرة المعهودة – ضد هذا المشروع المقدم لفائدة المواطنين زبناء البنوك، وأقبر المشروع إلى يومنا هذا.

أنت اليوم أيها السيد الداودي مسؤولا حكوميا رفيعا بوزارة الحكامة، فماذا أنت فاعل الآن إذن أنت وفريقك الحكومي وأغلبيتك البرلماني.

 المواطن الزبون ينتظر بفارغ الصبر، مبادراتكم القادمة لإنقاذه من جشع لوبي الأبناك الخاصة؟ نحن نريد أبناكا مواطنة تحترم حقوق وكرامة المواطنين زبناء هذه البنوك وتراعي قدرتهم الشرائية ومصالحهم الذاتية بحكم أنهم يؤدون خدمات للوطن وللمجتمع وللدولة عموما ويدفعون الضرائب بأشكالها المختلفة ويساهمون في إنعاش الاقتصاد الوطني عبر الاستهلاك والاقتراض إلخ..

وعلى مستوى التأمين الصحي لدافع الضرائب بالمغرب، لابد من التأكيد هنا على أهمية الرسالة المولوية السامية التي أهاب فيها العاهل المغربي الملك محمد السادس، بالحكومة للإسراع بإصدار النصوص التشريعية والتنظيمية والتطبيقية، الخاصة بإصلاح الرعاية الصحية الأولية، ومواصلة توسيع التأمين الإجباري على المرض، مع إعطاء مسؤولية أكبر للمستوى الترابي.

ومن جهة أخرى، فقد أفادت “الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة”، أن أزيد من 50 في المئة من سكان المغرب بدون تغطية صحية، وأن جلهم يفتقرون حاليا لإمكانية الحصول على الخدمات الصحية الأساسية.

وبخصوص نظام المساعدة الطبية لذوي الدخل المحدود “الراميد”، والذي انتقل عدد المستفيدين منه إلى 12 مليون، فإن الحصول على هذه البطاقة حسب الشبكة لا يعني بتاتا الاستفادة من المجانية الكاملة في التشخيص والعلاج، مشيرة إلى الشروط التعجيزية للحصول على الوصل، الذي لا يسمح بموجبه الولوج مجانا الا للخدمات الصحية الاستعجالية وهو ما جعل عشرات الألاف من المواطنين لا يسحبون بطاقاتهم ولا يجددونها بسبب هذه الاختلالات الإدارية في تسليم بطاقة الراميد لطالبيها ومستحقيها.

وتؤكد الشبكة على أن الموارد المالية والبشرية تظل إحدى أهم العوائق التي تفرمل إصلاح وتنمية المنظومة الصحية مما يخلق أزمة في تمويل النظام الصحي العمومي.

أما عن “الكنوبس” الذي هو في تحول آني ومستقبلي إلى الصندوق المغربي للتأمين الصحي، فإنه قد لوحظت مؤخرا به وبالتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية على سبيل الذكر، العديد من التراجعات والتأخيرات على مستوى التعويض عن ملفات المرض مثلا أو عند حصول أجل تغيير زجاج النظارات لضعاف البصر من المنخرطين وذويهم أو ما تعلق بالمساهمة المالية مع المنخرط في تصحيح وتقويم أسنان أطفاله لمن اختار العلاج بالعيادات الخاصة، إذ أصبح واجبا على المنخرط الأداء المسبق وانتظار مساهمة الصندوق لشهور عديدة مما يستنزف قدرة المنخرط الشرائية ويضعه أمام مشاكل عدة في معيشه اليومي رغم التزام الصندوق المنتظم بالاقتطاعات الشهرية من حساب المنخرط، والأمر هنا أدهى وأمر بالنسبة للمحالين على المعاش من الفئات الدنيا والمتوسطة.

وقد لاحظ كثير من المؤمنين بالصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي المعروف بـ”الكنوبس” منذ أشهر عديدة بطءا شديدا يضاهي بطء السلحفاة في تسوية ملفات المنخرطين المتعلقة بالتعويض عن النفقات التي يؤدونها من جيوبهم الخاصة من حيث الفحوص الطبية والأدوية العلاجية وخلاف ذلك، حيث أن معظم هؤلاء المرضى أو ذوي حقوقهم يدخلون قهرا في حلقة دائرية لا نهاية لها مع العلل والأمراض المزمنة أو المؤقتة إذ أنهم ينفقون على المرض طلبا للعلاج والشفاء وينتظرون في الآن ذاته التعويض عما صرفوه وإن قلت مبالغه بالمقارنة مع ما صرف، كي يواصلوا مسلسل العلاج إلى أن يأذن الله بالشفاء أو حتى بلوغ حد الاسئتناس بالمرض أو العلة مع مرور الزمن، وهكذا دواليك..

أفلا يمس  هذا البطء الملحوظ من قبل التعاضدية إذن تسوية ملفات المرضى عبر معاكسة مبدأ السرعة في إجراء المراقبة الطبية وفي التأشير عليها وهو الأمر الذي يدعو إلى مساءلة الضمير الجمعي في قضية اجتماعية وحياتية بامتياز تهم مصائر مواطنين يؤدون ما بذمتهم من مستحقات الانخراط للصندوق المذكور كل شهر دون انقطاع أو تسويف منهم بحكم أن ذلك يتم أوتوماتيكيا عبر الاقتطاع مباشرة من المنبع، بالإضافة إلى التزام هؤلاء بأداء الضرائب والرسوم للدولة سواء المتعلقة بالدخل أو الأخريات التي تهم القيمة المضافة أو الاستهلاك والتي تسكن بين الجلد والعظم عند كل مواطن من الحياة إلى الممات، وهي واجب وطني تضامني على كل حال. ففي كل مرة، يذهب المنخرط لمكاتب الاستقبال لدى التعاضديات أو يلج إلى موقع “الكنوبس” على النت والذي سبق أن حاز على جائزة معيار جودة الخدمات، إلا ويصدم باللازمتين المتداولتين: مسجل أو في انتظار التسوية، ويظل الأمر هكذا أسابيع أو أشهر حسب حالة كل ملف مرضي، علما بأن الملف عند تقديمه للأوانس والسيدات المكلفات باستقبال المرضى – والشكر هنا موصول لهن لما يقمن به من تضحيات ومن مهام جسام ولحسن تعاملهن مع العموم – فإنه يتم النظر فيه أولا ليكون مستوفيا للشروط المقبولة المتفق عليها ثم بعد ذلك، يسلم لصاحبه وصل بالتسليم إذا تم قبوله أو إعادته له في الحين ليصحح ما ينبغي تصحيحه.

وعليه، فالعمليات التي تأتي بعد ذلك، لا تهم الجانب الشكلي، بل تحيط فقط بمضمون الملف المرضي وبمدى استجابته للتعويض وقدره، وهو ما يعني أنه على السادة القائمين والسيدات القائمات على النظر في الملفات الطبية من أطباء لجان المراقبة والإداريين والإداريات والمحاسبين والمحاسبات – يشكرون مع ذلك على مجهوداتهم الجبارة لخدمة المخرطين – أن يضاعفوا من حجم هذه الجهود من أجل تسريع الإجراءات حتى ينقذوا حياة منخرط أو منخرطة أو ذوي حقوقهم في هذه الدوامة التي يتأرجح مسلسلها القاهر بين المرض وطلب العلاج إلى أن يلتحق المخلوق ببارئه، هذا دون الحديث عن الأدوية العلاجية غير الكمالية التي يصفها الأطباء للمرضى والمتعلقة بأمراض العيون والأمراض الجلدية مثلا والتي يعوض عنها الصندوق المذكور بصفر درهم، في حين نجد بأوروبا، العديد من مثل هذه الأدوية تسلم مجانا أو يعوض عنها بنسب معقولة، وقلما يفتقد المرضى هناك للأدوية العلاجية مثلما هو الحال عندنا نحن في كل سنة.

وإن كان لا قياس مع وجود الفارق بين نظام التأمين الصحي المغربي ونظام التأمين الصحي الفرنسي، فإنه يمكن الاستئناس ببعض ما يشتمله عليه هذا الأخير من امتيازات لفائدة المؤمن ما دمنا قد استلهمنا معظم تشريعاتنا وتدابيرنا إلى حد قريب من النموذج الفرنسي وذلك عبر الاعتماد على صفحة “معلومات لا بد منها لفهم التأمين الصحي في فرنسا” بالشبكة التفاعلية الأولى للمغتربين العرب، والتي نشرت يوم 12 سبتمبر 2014، ويمكن العودة إلى مضامينها بتفصيل على شبكة النت وملاحظة الفوارق الفلكية بين كلا النظامين.. فاللهم ارحم عبادك، شيوخهم وصبيانهم ونسائهم.

وفيما يخص التعليم المكتسب للجودة، لابد من الالتفات جيدا من قبل الجكومة إلى دافعي الضرائب من تلكم الفئات الاجتماعية المتوسطة الدخل من درجة جوج فرنك تزيد أو تنقص حسب مستوى دخل الأسرة من جانب ربها أو زوجته أو هما معا، إذ أن هذه الفئة قد اختار العديد من المنتمين إليها من أجراء بالقطاعين الخاص والعام وأساتذة ومتقاعدين وأصحاب مهن حرة وتجار صغار، تدريس أبنائهم بمؤسسات التعليم الخصوصي كرها لا طوعا أو تفاخرا.

فالغبن حاصل في حقهم من قبل الدولة، إذ تركوا يواجهون كل المصاعب الممكنة من أجل ابتغاء تمدرس جيد لأبنائهم وبمحيط جيد وآمن ومراقب في غياب دعم ومراقبة الدولة وتخليها عنهم، فكلما حمي وطيس المعركة من أجل ضمان مستوى تعليمي راق ذي مغزى في كل سنة دراسية، متطلبات وتكاليف سنوية وشهرية مرهقة وملزمة تضعها مؤسسات التعليم الخصوصي أمام أنظارهم وتزداد قيمتها كل سنة تقريبا دونما حسيب ولا رقيب، حتى أضحى حال هؤلاء “الأيتام” وكأنهم في مأدبة لا يفوز فيها بعشائه إلا من كانت خالته في العرس حاضرة.. هكذا يضطر المرتبون في فئة جوج فرنك أسفل أوأعلى من ذلك إلى الخضوع لشروط النمسا التي تلتهم نصف الراتب أو أكثر من ذلك طوال المسار الدراسي لأبنائهم..

هذه هي الحقيقة الصادمة التي يكتمها إعلام الدولة كقناة “ميدي آن تيفي” كلما تطرق إلى موضوع التعليم الخصوصي، وبالمقابل أيضا يشكو أرباب هذه المؤسسات من غياب تدابير استراتيجية تخفف من العبء الضريبي عليها وتخلق قنوات دعم مالي أو عيني لهذه المؤسسات من قبل الدولة ومجالس المدن حتى تتمكن من خفض قيمة مساهمة الآباء في أداء رسوم التمدرس والأنشطة الموازية والنقل والتأمينات ونحو ذلك مما يقع على كاهل الأسر المتجهة بأبنائها إلى التعليم الخصوصي.

وما ينكره إلا جاحد أو مكابر أن مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية قائمة هنا في ضمان تعليم ذي جودة وفق منطوق الفصل 31 من دستور: تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية، والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة، والحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، والتنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة.

أليس من حق هذا المواطن المتوسط الدخل وهذه المؤسسة التعليمية الخاصة إذن أن يسترجعا قسطا وافرا كله أو بعضه مما تحملاه عن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية من تكاليف مالية هي المسؤولة عن دفعها والاضطلاع بمهمتها دستوريا مثلما هو معمول به في الدول الراقية التي لا تدفع مواطنيها كرها صوب التعليم الخصوصي بل توفر له تعليما عموميا ذي جودة قد يفوق مستواه ما يتوفر لدى من اختاروا هناك عندهم بوابة التعليم الخصوصي.

نشر موقع “ألترا صوت” بتاريخ 21 أكتوبر 2018 على النت ملفا خاصا تحت عنوان: “قدرة العرب الشرائية.. إفقار وخداع وتجويع” جاء فيه: أما سياسات “الإصلاح الاقتصادي” فيمكن اعتبارها أشهر خدعة عرفتها الشعوب العربية في السنوات الأخيرة، والتي يمكن وصفها  بصورة أكثر وضوحًا بـ”سياسات الإفقار والتجويع الاقتصادية”، وليس ذلك الوصف من باب التأول، وإنما هي الأرقام التي تضج بها الإحصاءات عن نسب الفقر والبطالة المتزايدة، في مقابل مزيدٍ من الضرائب وارتفاع الأسعار ورفع الدعم، مع ثباتٍ في الأجور وإن انخفضت القيمة النقدية للعملة للنصف أو أكثر.ولا ريب أنّ للسياسة هنا مُستقر، فتهوي شطحاتها أحيانًا بالاقتصاد نحو القاع، وترمي بالقدرة الشرائية للمواطنين في مهب الريح، فتتركز السلطة والثروة أكثر فأكثر في يد القلة الحاكمة، ويزداد الفقراء فقرًا، ويتبعهم كثيرون ممن كانوا يومًا في “الطبقة الوسطى”.

أضف تعليق
الوسوم

الحياة اليومية

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق