«أنا تنشكي لو بالعقم وهو تيسولني شخبار الدراري»

الكاتب: مصطفى كرين⁎

هناك مثل مغربي يقول: “أنا تنشكي لو بالعقم وهو تيسولني شخبار الدراري” هذا المثل يختصر تماما ما أقدمت عليه الحكومة من خلال الإعلان عن إطلاق بوابة إلكترونية لوضع شكايات المواطنين المتعلقة بالإدارة.

وأقل ما يمكن قوله عن هذه المبادرة هو أنها حالة أخرى من حالات الطنز والإلهاء والاستخفاف بالمواطن المغربي البسيط، حيث يصور لنا رئيس الحكومة أن هذه البوابة ستحل الآفات الخطيرة والاعوجاجات العميقة والهيكلية التي تعاني منها الإدارة العمومية؟ ومن ملاحظاتي عليها:

أولا: من العار تسمية بوابة يفترض فيها أن تكون تفاعلية مع المواطنين باسم: شكايات.ما؟ هذه التسمية لوحدها تضع المواطن في موقف دوني وتجعله كمن يستجدي الإدارة من أجل خدمة، هي في الأصل حق له يؤدَّى عليه من الخزينة العامة للدولة.

ثانيا: هذه المبادرة تجعل من الإدارة خصما وحكما في نفس الوقت، وتتيح للإدارة ممارسة دور السيد الذي يُشتكى له ولا يشتكى به؛ فمن المفروض في فلسفة “الشكوى” أن توجه لطرف ثالث محايد وهو القضاء (قضاء الأرض وقضاء السماء) وليس للمعتدي. ولذلك أعتبر أن المبادرة بهذا الشكل تنم عن خلفية استبدادية تكرس البيروقراطية والعقم الإداريين أكثر مما هما عليه اليوم، واقتراحي في هذا الصدد هو أن تكون البوابة تابعة للنيابة العامة والمجلس الأعلى للحسابات وليس للحكومة.

ثالثا: هذه المبادرة تنطوي على فكرة تبييض الإدارة من الممارسات التي تجعل منها جهازا عقيما ومكلفا وتفترض أن الإدارة ليست على علم بالمشاكل، والحقيقة أن ممارسات الإدارة التي يشتكي منها المواطن ويدينها هي ممارسات إرادية ومقصودة بل أحيانا مؤطرة بالقانون، ورئيس الحكومة الذي تحمَّل عدة مسؤوليات تمثيلية ووزارية يعرف تماما هذه الممارسات، ولذلك فالأمر لا يحتاج لهذه العملية التمويهية من أجل القيام بالإصلاحات الضرورية، بل يتطلب مباشرة الإصلاحات والتوقف عن المناورات الهادفة للإلهاء وربح الوقت على حساب معاناة المواطنين.

رابعا: المشكلة في الإدارة العمومية مشكلة بنيوية ومؤَطرة ومحمية بقوانين تمييزية وتعسفية، وليست ظاهرة عرضية يمكن التعامل معها بواسطة خلية لدراسة الشكايات، فهل يحتاج رئيس الحكومة مثلا لبوابة إلكترونية ليعرف مدى العبث الذي يخترق الإدارة العمومية، وهل يجهل أن المواطن يعاني من الصدود ومن فراغ المكاتب كلما لجأ إلى إحدى الإدارات، وأن موظفي بعض الإدارات العمومية يحصلون على تعويضات وامتيازات خيالية بينما لم يبذلوا فيها أي مجهود، وأن موظفيه يقتنون السيارات الوظيفية الفارهة من المال العام ليقوموا باستعمالها في الأغراض الشخصية والنزهات وأشياء أخرى ثم يحصلون بعد ذلك على تعويضات عن التنقل، وأنهم يختصون أنفسهم بمساكن وظيفية فاخرة من المال العام ويجهزونها من المال العام ويحصلون بعد ذلك على تعويضات عن السكن، وأنهم يبدعون في إنتاج مساطر لا فائدة منها سوى تعقيد حياة المواطنين وإرغامهم على البحث عن حلول أخرى؟ واللائحة طويلة ومعروفة.

خامسا: لم يقل لنا رئيس الحكومة شيئا عن المبلغ الذي ستكلفه هذه العملية من ميزانية الدولة، مقابل مردودية نعرف ونقول من اليوم أنها ستكون محبطة؟ وكم يصل حجم التعويضات التي ستصرف للخلايا التي ستُكلف بدراسة شكايات حول خروفات صادرة عنها وعن محيطها، حيث إنه من المضحك أن تقوم الإدارة بممارسات مرفوضة ثم تقوم بتلقي الشكايات حول هذه الممارسات.

سادسا: أين ذهبت مؤسسة الوسيط التي استهلكت مبالغ طائلة من المال العام، من أجل إصدار تقارير إحصائية لم تؤدِ إلى أي إجراء فيما يتعلق بردع أخطاء وأمراض الإدارة العمومية، وما أكثرها!!

خلاصة القول، هذه البوابة تذكرني بحديقة في لندن، يلجأ إليها الناس فيصرخون كما يشاؤون ويقولون كل ما يريدون ويسبون وينتقدون وينعتون المسؤولين بكل النعوت القدحية دون أن يترتب عن ذلك أية محاسبة في حقهم طالما أن ما قيل، قد قيل داخل أسوار الحديقة، وبعد ذلك يخرج المواطنون الغاضبون وقد خف غضبهم ليعودوا إلى طاحونة الحياة.

⁎رئيس المرصد الوطني للعدالة الإجتماعية

أضف تعليق

الوسوم

لبنى الفلاح

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

إغلاق