أزمة الهجرة.. أزمة غير مسبوقة

الحلقة: 4

يستضيف المغرب في مجرى السنة الحالية المؤتمر الدولي للهجرة.

وبالنظر إلى أهمية موضوع الهجرة، خاصة مع التحولات التي عرفتها هذه الظاهرة، مع اشتغال الحروب في أكثر من منطقة بإفريقيا والشرق الأوسط، ومع انسداد آفاق الشغل في بلدان العالم النامي وعدم التناسب بين وتيرة التنمية وبين حاجيات الساكنة، إضافة إلى الإجراءات الحمائية التي اتخذتها الدول الغربية لمواجهة ظاهرة الهجرة، قامت الشركة المتوسطية للتحليل والذكاء الاستراتيجي بإنجاز بحث قيم طال تطور ظاهرة الهجرة وأسبابها وانعكاساتها وآفاق التعامل معها.

وتعميما للفائدة، تنفرد جريدة “الحياة اليومية” بنشر هذا البحث غير المسبوق.

بلدان الاستقبال بين المنافع الاقتصادية والبعد الإنساني

في الحالات الطبيعية للهجرة (خارج اعتبار أزمة إنسانية) فتن بلدان الاستقبال تتعامل مع الظاهرة من منظور ثقافي تاريخي ومن منطلق أسباب سوسيو اقتصادية (مستوى المعيشة أجور، حماية اجتماعية..).

على سبيل المثال وفي حالة المغرب وتونس اللذين يعتبران محميتان سابقتان لفرنسا فإن هذه الأخيرة تعتبر الخيار الأول للمهاجرين من هذين البلدين كما يوضح ذلك الجدول رفقته.

اما الأسباب الرئيسية في ذلك فتكمن في اللغة والثقافة بما يسهل عملية اندماج سريعة في سوق الشغل وأيضا جاذبية الاقتصاد الفرنسي.

نفس الشيء بالنسبة لاوكرانيا وروسيا كما بالنسبة للحالة النيجيرية مع بريطانيا مستعمرتها السابقة.

فبريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية تبقى بناء على هذه الأسباب الوجهة المفضلة بالنسبة للنيجيريين.

لكن في ظل الازمة الانسانية كما هو الحال اليوم بالنسبة لبعض الشعوب فإن العامل السوسيو اقتصادي المرادف للسلامة الجسدية والمالية تصبح له الاولوية على بقية الاعتبارات.

فقبل اندلاع هذه الأزمات كانت الوجهة المفضلة في الهجرة من هذه الدول على دول خليجية مثل الامارات العربية المتحدة والكويت..) وإلى امريكا الشمالية.

وقد تعزز تغيير الوجهة بالنسبة للهجرة على هذا النحو مع اقدام دول الخليج على إغلاق حدودها بوجه المهاجرين السوريين والعراقيين والافغان مفضلة بدل السماح لهم بدخول أراضيها المساهمة في تمويل المخيمات في ترميا.

مثال على ذلك 47 بالمائة من السوريين الذين قدموا طلبات للجوء في أوروبا ما بين شهري أبريل 2011 وأكتوبر 2015 كان هدفهم 6 دول من اوروبا الوسطى والشمالية: المانيا النمسا، الويد، هولندا، النرويج والدنمارك.

أما الدول ذات التقاليد المعروفة بالاستقبال مثل فرنسا بريطانيا وإيطاليا، فاحتلت الرتبة الثانية بعد دول شمال ووسط أوروبا بفارق شاسع ولم يتم تسجيل سوى 4 بالمائة من طلبات اللجوء المقدمة من طرف السوريين في اروبا.

أما فيما يخص بلدان العبور التي سجلت أكبر عدد من طالبي المنفى من اللاجئين السوريين مثل صيربيا 205578 وهنغاريا 71845 فتفسير ذلك يكمن في كون أغلبية واضعي هذه الطلبات هو شرعنة وجودهم لدى السلطات المحلية بانتظار التوفر على وسيلة لمواصلة الرحلة والدليل على ذلك أن الكثير من هؤلاء استأنفوا  رحلتهم حتى من قبل أن تستكمل لهم إجراءات الحماية الدولية.

استقبال فاتر في هنغاريا

صرح خانوس لازار رئيس مكتب فيكتور أوروبان في 12 نونبر 2015 أن هنغاريا لم تصادق سوى على طلبي لجوء من بين 0,04 بالمائة على وجه المقارنة الذي سجلت 82,7 للسويد و56,8 بالمائة لألمانيا.

ألمانيا: الأرض الموعودة للمهاجرين

بتسجيلها 800 ألف طلب للجوء برسم سنة 2015 تكون ألمانيا وبفارق كبير البلد الأوروبي الأكثر استقبالا للهجرة، هذا في حين أكدت تصريحات رسمية لاحقة أن العدد قد ارتفع إلى مليون طالب للهجرة بهذا البلد مع متم سنة 2015.

ويذكر أن شهر أكتوبر من السنة المنصرمة 2015 قد عرف تسجيل 181,188 طلب لجوء في ألمانيا مقابل  163,772 في شهر شتنبر من نفس السنة.

النصف من السوريين

مابين  181,166 طالب للجوء في ألمانيا في شهر أكتوبر 2015 ثبت أن 88,640 منهم سوريون ما يمثل  38 بالمائة.

إذا كانت ألمانيا تسعى اليوم بجد إلى توزيع المهاجرين على دول الاتحاد الأوروبي ووقف مد الهجرة التي يمثل السوريون فيها النسبة الطاغية، فإن الأمر لم يكن كذلك في بداية شهر شتنبر عندما صدرت تصريحات من الطبقة السياسية بما في ذلك المستشارة ميركل وجزء من الباطرونا ترحب بالهجرة وتعبر عن استعداد البلاد لاستقبال زهاء 800 ألف مهاجر بروح من المحبة المسيحية وهو ما يسمح به الاحتياطي الاقتصادي وايضا الديموغرافية في البلاد.

الأفول الديمغرافي لألمانيا

تعتبر ألمانيا من بين الدول الأوروبية الأقل خصوبة ديمغرافية بمعدل 1,42 طفل للمرأة مع معدل عمر يبلغ 11 سنة و81 عاما بالنسبة للأمل في الحياة.

وإلى ذلك، فإنه منذ 1972 أصبح الفضل يعود إلى الهجرة في استقرار البنية السكانية لبلد يعاني الشيخوخة.

هكذا، وابتداء من 2012 إذن عمدت الحكومة الألمانية إلى اتخاد الإجراءات لجلب اليد العاملة من خارج الاتحاد الأوروبي، وفي هذا السياق اعتبر عدد من الساسة الألمان أن موجة الهجرة واللجوء فرصة يجب اغتنامها.

هذا، علاوة على أن اللاجئين والمهاجرين أغلبيتهم الساحقة فضلوا التوجه إلى إلمانيا، وهكذا تعتبر ألمانيا الجهة المفضلة للسوريين على الخصوص حيث بلغ عددهم 240 ألف أغلبهم من البالغين.

إلى ذلك، فإن ألمانيا رفضت بشكل حاسم اللاجئين من البلقان (الكوسفيين والألبان في الغالبية)، وهذا الأمر بالنسبة للأفغان.

أكثر من ذلك فإن إجراءات الحد من التجمع العائلي للمهاجرين واللاجئين أعطى فكرة مفادها أن هذا الأمر بالنسبة لألمانيا يتعلق برؤية اقتصادية منها مبادرة إنسانية.

وبالفعل، فقد عبر وزير الداخلية الألماني طوماس دومازيار أما البرلمان في شهر نونبر عن نية الحد من التجمع العائلي والاقتصار على إعطاء رخصة إقامة واحدة لكل لاجئ بصلاحية عام واحد، مبررا ذلك بتواصل موجة الهجرة.

وإذا كان التوجه المعبر عنه من طرف وزير الداخلية الألمانية، فقد لقي تجاوبا من طرف الحكومة فإنه نال فيما يبدو رضى الطبقة السياسية الالمانية.

انتهازية الباطرونا الألمانية

ابتداء من سنة 2014 بدأت الباطرونا الألمانية تفكر في الاحتياطي الاقتصادي لمئات الآلاف من المهاجرين الواصلين إلى أوروبا، فمع الأفول الديمغرافي في البلاد أصبح الاقتصاد الألماني بحاجة متزايدة إلى يد عاملة مؤهلة للحفاظ على مستوى الإنتاج الحالي ومؤهلاته.

في هذا السياق، عبر إبريتش ويبير المسؤول في الشركة السككية الألمانية بواقعية عندما قال إن: “المقاولات يجب أن تهتم بالمهاجرين ليس فقط لأسباب إنسانية وإنما أيصا لأسباب اقتصادية”.

إلى ذلك، ومن أجل تسهيل اندماج اقتصادي للمهاجرين أعلنت الباطرونا الألمانية عن عدد من الإصلاحات القانونية:

  1. إلغاء مبدأ الأفضلية الذي يقضي بأن يتم البحث عما إذا كان هناك مواطن ألماني مؤهل لاحتلال المنصب الشاغر ثم بعد ذلك الأوروبي.
  2. إصلاح القانون بهدف إعطاء الأفضلية للمهاجرين المؤهلين.

وبفعل رفع هذه العراقيل التي تهدف إلى حماية العمال الألمان استطاع 64 في المائة من اللاجئين المسجلين على لوائح البطالة حاليا من الولوج إلى سوق الشغل خلال السنة الفارطة.

وإذا كانت مثل هذه السياسة ستفيد الباطرونا الألمانية فمن الواضح أنها ستطرح مشاكل اجتماعية على الطبقة العاملة التي تعاني سلفا من ضغوطات على مستوى الأجور نظرا لإجراءات التقشف المتخذة خلال السنوات الماضية من المقاولات الألمانية الكبرى.

هذا، علاوة على ما تمثله المطالب المتعلقة بإلغاء الحد الأدنى للأجور الذي يعتبر إحدى العراقيل بوجه التشغيل والبديل المقترح من طرف الباطرونا الألمانية هو وضع نظام استثنائي بالنسبة للمهاجرين.

أضف تعليق
الوسوم

عبد الحكيم نوكيزة

«الحياة اليومية» جريدة إلكترونية إخبارية سياسية تقوم على التحليل والرأي ونقل الحقيقة كما هي. تقدم خطابا إعلاميا ينبذ العنصرية والابتذال، ويلتزم بوصلة وحيدة تشير إلى تحرير الإنسان في إطار يجمعنا إلى الوطن كله ولا يعزلنا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق